إذا كان الاقتصاد المزدهر هو بحكم الثقة بمن يديره، فإن سلطة الدولة ليست فقط بسلاحها بل بهيبتها.
لذلك فعندما تجاوز المتهجمون على مؤسساتها ولا سيما المؤسسات التي هي أساس الأمن وهي الجيش والأمن الداخلي، والقضاء، الخطوط الحمراء، تصدى لهم وزير الدفاع الياس المر كما كان تصدى لهم وزير الداخلية والبلديات زياد بارود ووزير العدل الدكتور ابرهيم نجار، كي لا يبقى حائط الدولة "واطياً" ومؤسساتها مكسر عصا، بل أن تكون هي العصا التي تضرب بها كل متهجم عليها وكل مستهتر بوجودها.
الواقع، ان الدولة هي ملح الأمن والعدل، فإذا فسد ماذا يبقى منها؟ فالأمن أولاً كان هاجس كل عهد في لبنان، لأن لا ازدهار ولا اقتصاد ولا سياحة ولا زراعة ولا صناعة ولا إنماء ولا عمران من دون استقرار. فهيبة الدولة وليست قواتها المسلحة وحدها هي التي تفرض الأمن في كل أنحاء لبنان، اذ بوجود هذه الهيبة كان دركي واحد يدخل الرهبة في النفوس ويجعل الامن مستتباً في كل قرية. وكان الناس يتحدثون لايام اذا سقط قتيل في اي مكان ولأي سبب او وقعت سرقة غير مسبوقة بشكلها. وقد تميز وجود الامن وان على حساب الحريات في عهد الرئيس فؤاد شهاب لان الامن والحرية في بلد مثل لبنان ومثل كل بلد في وضعه لا يلتقيان او لا يتعايشان، فاما كثير من الامن وقليل من الحرية واما كثير من الحرية وقليل من الامن بدليل ان لا حرية حيث تقوم انظمة شمولية او عسكرية او ديكتاتورية بل امن مفروض بقوة الاجهزة القمعية، فلا امن حيث الحرية مطلقة ولا ضابط لها بحيث تتحول الى فوضى عندما تعطى الى شعوب لم تصبح بعد اهلا لممارستها في اطار القانون والنظام ولا حتى اهلا لممارسة الديموقراطية ممارسة صحيحة اذا لم تكن تتقن ثقافتها. وهذا لا ينطبق بالطبع على الشعب اللبناني بل ينطبق على بعض قادته وسياسييه حتى على بعض من هم في السلطة لانهم لم يحافظوا على هيبتها ولم يتمكنوا من التصدي لمن جعلوا لبنان ساحة فكانت حروب عام 1975 مع دخول اول دفعة من المسلحين الفلسطينيين الى منطقة العرقوب، وبدأت الدولة من يومها تفقد شيئا فشيئا هيبتها وسلطتها والقانون احترامه ويقوم صراع ومواجهة بين سلاح الدولة وسلاح الدويلات.
وعندما تسلم الرئيس سليمان فرنجيه زمام السلطة في البلاد، وجد اللبنانيون فيه الرجل الزغرتاوي القبضاي الذي يستطيع ان يعيد الى الدولة هيبتها والى القانون احترامه خصوصا بعدما خاطبهم بقوله لهم في مستهل عهده: "ناموا وابواب بيوتكم مفتوحة". لكن مع استمرار تدفق الاسلحة على لبنان بحيث تحولت المخيمات الفلسطينية ثكنا ومعسكرات ومعظم الاحزاب اللبنانية ميليشيات، تعذر على الرئيس فرنجيه تحقيق آمال الناس بسبب الظروف القاهرة التي جعلت من الصعب جدا ان يتعايش سلاح الشرعية مع السلاح غير الشرعي فنام اللبنانيون وابواب بيوتهم مغلقة بإحكام. وهذا الوضع لا يزال قائما بسبب وجود اسلحة خارج الدولة اقوى من سلاحها، فأفقدها السلطة والهيبة. حتى ان الكثيرين ظنوا ان الامن في البلاد سوف يبدأ مع عهد الرئيس الياس سركيس بعدما سمعوه يقول في خطاب قسمه: "الامن قبل الرغيف والوفاق بين اللبنانيين يساوي قوة مئة الف جندي".
وفي عهد الرئيس ميشال سليمان اراد هو ايضا ان يكون الامن قبل الرغيف لان لا رغيف بلا امن ولا امن بلا رغيف، لكنه ورث اوضاعا يصعب عليه تغييرها بسرعة، خصوصا مع استمرار وجود الامن الذاتي في بعض المناطق والجزر الامنية بسبب وجود سلاح خارج الدولة يفوق قوة سلاحها، وهو وضع شاذ اذا استمر طويلا ولم يعالج، فانه يخشى ان تعود الدولة دويلات بعدما عادت الدويلات اليها فيما الشعب اللبناني لا يطلب سوى الامن اولا كي يصير لبنان اولا بوجود لبنانيين اولا لا ولاء لهم الا له.
لذلك، فكما ان الثقة تكون بمن يدير الاقتصاد لينهض بالبلاد، فان الثقة ينبغي ان تكون بالسياسيين وبالقادة وبهيبة السلطة وسطوة الدولة. هذه الهيبة هي التي تجعل حتى للشرطي البلدي هيبته، وهي التي كانت تجعل دخول دركي الى قرية كافيا لفض اي اشتباك في حين بات دخول طابور من العسكر مع غياب الهيبة، لا يعني شيئا، ذلك ان الهيبة تساوي قوة مئة الف جندي وقوة مئة الف جندي لا تساوي شيئا ان لم يكن للسلطة هيبة.
لقد كان قائد الجيش الاسبق الجنرال الراحل اميل البستاني يقول: "ان الكوّى عليه ان يهاب البذلة العسكرية وهو يكويها فكيف مع لابسها"... فليس سوى هيبة السلطة قبل سلاحها ما يوفر الامن والامان للناس. وليس سوى العدالة ما يجعل للملك اساسا وهز العصا مع الهيبة يكفي من دون الحاجة الى استخدامها من اجل اشاعة الاستقرار ومنع اي اضطراب، خصوصا عندما تتعامل السلطة مع حامل العصا وليس مع العصا. فالهيبة هي ملح السلطة فاذا فسد فسدت السلطة وانهارت الدولة.
لقد كان ممنوعاً في الماضي تداول وسائل الاعلام الاسماء عند اجراء حركة مناقلات وتشكيلات في المؤسسة العسكرية لان ممنوعاً ذكر اسم متهم في اي قضية الا بعد ان تثبت ادانته وكانت هيبة الدولة تمنع المعارضة مهما بلغت قوتها من التهجم على رأس الدولة ولا حتى ذكر اسمه بل كانت تتوجه اليه باسم "السلطة العليا" متجنبة ذكر اسم الرئيس لانه كان للمقام سطوة وهيبة. فكما ان الثقة بالسياسة المالية والاقتصادية والمصرفية حققت النجاح والنمو في لبنان، فينبغي ان تحقق هيبة الدولة القوية القادرة قيام حكم القانون والمؤسسات، فلا تبقى سلطة غير سلطتها، ولا سلاح غير سلاحها، ولا قانون غير قانونها، بحيث لا يعلو سلاح على سلاحها وان يكون الجميع في خدمة الدولة كي تكون الدولة في خدمتهم.
ولا يكفي كي تستعيد الدولة هيبتها، وقوف وزراء دفاعا عن مؤسساتهم من دون آخرين، بل وقوف الدولة بكل مؤسساتها ومن هم على رأسها في وجه كل من يتعرض لها ويتهجم عليها ويجعل منها مكسر عصا، بل ان الهيبة هي وحدة لا تتجزأ، كي يصير في الامكان كسر العصا على رأس حاملها.
والسؤال الذي لا جواب عليه حتى الآن هو: هل يستطيع الرئيس سليمان تحقيق الامن الثابت والدائم في كل لبنان اذا ظل سلاح خارج الدولة ويقوم في بعض المناطق شبه حكم ذاتي، وهو وضع شاذ اذا طال يخشى ان تعود الدولة دويلات مهما بلغ تسلحها...
|