تبخرت الأحلام بموسم سياحي واعد تماماً كما تتبخر المياه فوق صفيح ساخن. ليس الكلام عن السياحة ضرب من ضروب الرفاهية ولا هو يعني شريحة معينة من الناس يفترض انها ميسورة الحال. هو كلام يهم المزارع وصاحب المطعم وسائق الشاحنة والمقهى وبائع المرطبات والعلكة وماسح الأحذية وصولا الى صاحب المقهى الليلي والعمال الفندقيين وسيارات الأجرة الخ... مليون لبناني على الأقل ينتظر موسم الصيف ليزيدوا مداخيلهم تحسباً لفقر مستدام صيفاً شتاء. ومليون آخر على الأقل يعيش على مساعدات تأتيه من أقارب وأهل في المغتربات. ومليون ثالث يعيش على وراثة او على تشبيح أو على مدخول تجارة شريفة وما الى ذلك. هذه الملايين الثلاثة تذوي كلما اقترب الصيف تماماً كما يذوي الضوء في اللمبة.. انها الكهرباء يا عزيزي. الكهرباء، هذا اللغز اللبناني الابدي، تلاحقنا كلعنة شيطانية لا تردها تعويذة ولا يردعها حجاب. ... والسجالات مستمرة، حول حقوق الشعب الفلسطيني، حول مزارع شبعا، حول الضمان الاجتماعي والصحي، حول أزمة السير وضمان الشيخوخة. ترى، ماذا يختار اللبناني اذا خيرته بين ضمان الشيخوخة وبين كهرباء في بيته 24 ساعة على 24؟ ماذا يختار بين حل ازمة السير وغرفة في منزله فيها مكيف؟ ماذا يختار بين هيئة الحوار الوطني وبين اطفال يقرأون على ضوء الكهرباء؟ ماذا وماذا.. لكن المشكلة ليست في الجواب، انها في السؤال نفسه، اذ من قال ان اللبناني يملك حرية الاختيار اصلاً؟ الظلامية.. نحن نعيش في عصر الظلامية لا ينفعنا فيه منظر وزير تضيء أسنانه حين يبتسم.
|