مخاوف من «العرقنة» تفتح النقاش علىالمخارج الصعبة هل يضمن تفاهم «السين ـ سين» الانضباط إذا صدر القرار الظنّي؟
لا يكفي تقييم «البروفة» الأولى لعمل المحكمة الدولية بشأن جريمةاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لمنح هذه المحكمة «صك البراءة» من احتمالخضوعها للتسييس في أي مرحلة من عملها، خصوصاً أن «النموذج» الذي ظهر إلى العلنيحتمل الكثير من التأويل حول المدى الذي يمكن أن تذهب إليه هذه المحكمة في الأخذبالحيثيات والوقائع والقرائن، وذلك في ضوء التوقيت «المدروس» الذي حدده قاضيالإجراءات التمهيدية في المحكمة دانيال فرانسين للرد على طلب اللواء جميل السيدتسليمه إفادات شهود الزور والأدلة التي كانت سبباً في سجنه أربع سنوات. قبل «البروفة» كانت بعض الدوائر الدبلوماسية العربية في بيروت قد باشرت مشاوراتاستطلاعية حول ما يمكن أن يتركه القرار الاتهامي المرتقب صدوره قبل نهاية العامالحالي، من تداعيات، لا سيما أنه لم يخرج بعد عن «معادلة دير شبيغل وأخواتها». كان الرأي السائد في أوساط هذه الدوائر أن في قدرة التفاهم الإقليمي «ضبط» الوضع اللبناني ومنع حصول ارتدادات للقرار الظني، خصوصاً أن التفاهم بين المملكةالعربية السعودية وسوريا ما يزال يشكّل «ضابط إيقاع» للوضع اللبناني وقد نجح فيتجاوز كثير من التحديات التي واجهته منذ اتفاق الدوحة. وأن القوى السياسيةاللبنانية الرئيسية لا تمتلك القدرة على خرق ذلك التفاهم ما دامت تدور في فلكطرفيه: الرياض ودمشق، بل وستكون محكومة بالمسارعة إلى سحب كل «الصواعق» من الشارعاللبناني بهدف تهدئته واستيعابه، وذلك من خلال الفصل بين الأشخاص الذين سيطالهمالقرار الاتهامي وبين الجهة التي ينتمون إليها... سياسياً وطائفياً... لكن تلكالدوائر التي كانت تبثّ «نشيد السلام» وتضخّ الاطمئنان، لم تنتبه إلى أنها في الوقتذاته كانت تبحث جاهدة عن أي دراسة أو قراءة موضوعة لما يمكن أن يخلّفه القرار الظنيفي الواقع اللبناني، وهي بذلك كشفت قلقها الضمني من أن القدرة على إدارة التداعياتقد لا تكون بالضرورة فاعلة في منع انهيار الوضع اللبناني وانزلاقه إلى المخاطرالجسيمة. من هذه الثغرة تحديداً «تسلّل» الناصحون لتقديم قراءة مغايرة، ونفذوامنها إلى «زعزعة» تلك الانطباعات المطمئنة بحذر، لبناء تصوّر مختلف فرض إعادة رسمخريطة مختلفة لما يمكن أن تكون عليه الوقائع الميدانية بعد صدور قرار ظني يترجم مانشرته مجلة دير شبيغل. لكن السؤال المركزي الذي «هدم» قواعد الاطمئنان صيغ منوقائع إسرائيلية تؤكّد أنها لن تفوّت مثل هذه الفرصة «الذهبية» للاصطياد في «بحيرةالفتنة» التي يمكن أن تشعلها في لبنان لتقوم عنها بـأعباء المواجهة مع حزب الله،وهو ما كشفه بوقاحة رئيس الأركان الإسرائيلي غابي أشكينازي. فماذا سيحصل مثلاً لوأن إسرائيل استنفرت شبكات تجسسها التخريبية في لبنان لتفجير هنا أو هناك؟ ألن تنسحب «العرقنة» إلى لبنان؟ والواقع أن هذا السؤال جاء بمثابة الصفعة التي أيقظت «المطمئنين»، فانهالت في ضوئه جملة أسئلة تفضي كلها إلى استنتاج مفاده أن «الصحوة» على المخاطر استنفرت مجدداً كل الجهود الاستباقية لما يمكن أن ينتج عن قرار ظنييُخضع لبنان للاستثمار السياسي في لعبة تجاذب المصالح الدولية. كيف يمكناستدراك ذلك الخطر؟ أُحيل هذا السؤال إلى مسؤول سعودي، كان من المنظّرينلـ«الهدوء» اللبناني تحت سقف التفاهم بين الرياض ودمشق والذي سيكون ضابطاً للوضعالداخلي بعد صدور القرار الظني، فأسهم في فتح النقاش الجدي حول تلك التداعيات،وأطلق مشاورات مكثّفة حول المخارج التي يمكن اعتمادها لتفادي انتقال النموذجالعراقي إلى لبنان. لكن تلك المشاورات لم تصل إلاّ إلى مخرج مؤقت يقضي بالسعيلـ«قذف» القرار الظني، زمنياً، إفساحاً في المجال أمام البحث الجدي عن مخرج حقيقي،ما دامت «رقبة» الجميع أصبحت في عهدة المحكمة الدولية التي تخضع للأمم المتحدة التيتدير الولايات المتحدة الأميركية دفّتها. وإذا كانت تلك الهواجس قد نجحت في فرضروزنامة محدّدة على خط الرياض ـ دمشق، إلا أنها لم تقنع قيادات لبنانية عديدة فيضفتي الانقسام السياسي بمخاطرها، حيث إن بعض قوى 14 آذار ترى أن الفرصة ستكونممتازة للانقضاض على الظروف والمعطيات التي «سلبت» منها السلطة في لبنان، في حين أنبعض قوى 8 آذار تؤكّد أن لا قدرة لأحد على تغيير المعادلة القائمة حالياً بفعلالتوازن الجديد في لبنان والمنطقة، كما أن أحداً لن يكون قادراً على قلب الطاولة أوالذهاب نحو مواجهة غير متكافئة على مختلف المستويات. وبين القراءتين، ثمة منيقول إن أي تطور يمكن أن يحصل على خط الرياض ـ طهران هو الكابح الوحيد للتداعياتالمحتملة في الواقع اللبناني، لكن بعض من تابعوا وقائع الزيارة الملكية السعوديةالى واشنطن، بدوا متشائمين، ذلك أن دول الاعتدال العربي تحاول أن تستجدي أية صيغةأميركية في المسار الاسرائيلي الفلسطيني من أجل «حشد» الجهد في مواجهة إيرانمجددا... فضلا عن تحسس هذه الدول المتفاقم من دور تركيا في المنطقة، ولذلك ينبري منيقول لبنانيا إن الأمر ليس في أيدي اللاعبين المحليين، وربما أفلت أيضاً من أيدياللاعبين الإقليميين، ليعود لبنان ورقة مساومة في الملفات الكبرى على طاولةالمفاوضات في المنطقة، ونتائج تلك المفاوضات هي التي ستحدّد مسار وتوقيت القرارالظني، في حال كانت صفقة تبادل المصالح مربحة وتغني عن «الاستثمار» في المحكمةالدولية.. لأجل لبنان.