بعد حديث مفصّل عن لبنان تناول القوى المسيطرة عملياً على مقدراته وفق المعلومات المتوافرة لدى جهات لبنانية عدة وكذلك اميركية، سألتُ الموظف الاميركي المهم السابق والمستمر في تعاطي الشأن العام على نحو غير مباشر نفسه عن احتمالات اقدام اسرائيل على شن حرب جديدة على لبنان. اجاب: "ربما بَعُدَت الحرب قليلاً او تأخرت بضعة اشهر. لكنها خيار لا يزال على طاولة اصحاب القرار في اسرائيل. واذا حصلت فإنها لن تكون حرب ايهود اولمرت (عام 2006) بل حرب نتنياهو – باراك. وهذا يعني انها قد تكون مدمّرة جداً وساحقة". هل تضرب اسرائيل سوريا؟ وماذا تستفيد اسرائيل من ضرب لبنان او بالأحرى من تدمير مرافقه وبناه التحتية وقتل المئات او الآلاف من ابنائه؟ "حزب الله" سيبقى بقوته او بمعظمها وإن خسر مئات من مقاتليه ولديه عشرات الآلاف من هؤلاء. طائفته صارت "مُعَسكَرة" اذا جاز التعبير. وفي ظل الانهيار الكامل في البلاد جراء الضربة الاسرائيلية ستكون قادرة على حكم البلاد كلها بقيادة "حزب الله". اجاب: "ربما معك حق في الموضوع اللبناني. اما في ما يتعلق بسوريا فيتوقف موضوع الحرب الاسرائيلية عليها على تورطها فيها أو عدمه وكذلك على مدى نجاح "حزب الله" وايران في توريطها في مواجهة كهذه. ذلك ان الحزب وراعيته بل مؤسسته ايران يخشيان ان تؤدي الحرب الى تحركات دولية وعربية والى انعقاد مجلس الامن وربما اكثر من مرة وتالياً الى مطالبة كل هؤلاء سوريا بمساعدة لبنان على إعادة بناء نفسه. ولا بد ان يشمل ذلك ضبط الحزب في شكل او في آخر ولكن من دون "اقناعه" بذلك بالوسائل العسكرية. ذلك ان سوريا تحتاج اليه للسيطرة على لبنان ولاستمرار نفوذها فيه. كما ان الحزب يحتاج الى نظامها للمحافظة على قوته".
سمعت هنا في واشنطن، وكنت سمعت ايضاً خارجها بل خارج اميركا، كلاماً يفيد ان اسرائيل بدأت تفكر في ان سوريا العاجزة عن "الانفصال" عن ايران الاسلامية او الفكاك عنها والعاجزة ايضاً عن ضبط "حزب الله" و"حماس" والمتورطة في صراع اقليمي كبير معها تقوده ايران، بدأت تفكر في ان سوريا هذه لم تعد ذات فائدة لها كما كانت الحال في الماضي عندما التقت مصالحهما على مدى عقود، وعندما اعتبرت اسرائيل ان الشر الذي تعرفه افضل من الشر الذي ستتعرف اليه، مشيرة بذلك الى ان البديل من النظام السوري الحالي اي بديل سيكون مؤذيا جداً لها. وانطلاقاً من تفكير كهذا فانها ربما بدأت تناقش في دوائرها المغلقة مفكرة التخلّص من النظام السوري، علماً انها لم تدخل في تفاصيل ترجمة هذا الأمر. وعلماً ايضاً ان أحد التفاصيل التنفيذية هو شن حرب على سوريا او توجيه ضربة عسكرية قوية بل مدمّرة اليها تضعف النظام وتربكه وربما تضعه على طريق الانهيار. ما رأيك في ذلك؟ سألت. أجاب الموظف الاميركي المهم السابق نفسه: "قد اكون سمعت انا ايضاً كلاماً من هذا النوع بعضه تحليل وبعضه الآخر معلومات. لكنني اعتقد ان اسرائيل لا تزال تعتبر ان نظام الاسد في سوريا مفيد لها. فمنذ حرب1973 واتفاق فض الاشتباك الذي رعاه بين هاتين الدولتين الوزير الاميركي السابق هنري كيسينجر ايام الرئيس الراحل حافظ الاسد لم تُطلق طلقة واحدة على الجبهة السورية – الاسرائيلية. فهي هادئة منذ ذلك الوقت. فلماذا المغامرة بعمل عسكري يمكن ان يجعل من سوريا "طالبان" سورية ضد اسرائيل او عراقاً آخر لا بد ان يكون تأثير قيامه عليها سلبياً. هناك خطران على اسرائيل في رأيها. امتلاك ايران سلاحاً نووياً من انتاجها وصناعتها. والأمن. وتحوّل سوريا نظاماً اصولياً "ارهابياً" في رأيها يجعل الخطرين داهمين. طبعاً تنزعج اسرائيل من سياسات سوريا المتعلقة بـ"حزب الله" و"حماس" وايران. لكنها تستطيع التصدّي لهذه السياسات او لنتائجها من دون التهديد بإشعال الجبهة مع سوريا في صورة دائمة وخطيرة. اذاً لا حاجة لاسرائيل الآن على الاقل الى تهديد النظام السوري.
ما رأيك في ما يقال عن صواريخ "سكود" وتحديداً عن تسليم سوريا "حزب الله" دفعة منها ادخلها الى لبنان؟ اجبت: اعتقد استناداً الى معلومات سابقة وقبل زيارتي للولايات المتحدة ان سوريا كانت على وشك تسليم الحزب صواريخ "سكود". لكن مداولات حصلت ومناقشات وتدخلات خارجية متنوعة دفعت القيادة في سوريا الى وقف التسليم. وكان ذلك قبل الضجة الاعلامية التي اثيرت اسرائيلياً ودولياً حول هذا الموضوع. ولذلك فان اصحاب هذه المعلومات يتساءلون الان عن اسباب الضجة والاهداف المرجو تحقيقها منها. في الوقت نفسه اعتقد ان تسليم "حزب الله" صواريخ مضادة للطائرات هو مشكلة لإسرائيل، بل المشكلة لأنه يعوق حركة طائراتها ويضعف قوة ردعها ويهدّد اي تحرّك عسكري جوي لها في لبنان.
ولذلك فانها حذّرت في السابق واكثر من مرة من تزويد "حزب الله" إياه. لكن معلومات اوروبية واميركية تؤكد ان سلاحاً من هذا النوع صار في حوزة الحزب داخل الاراضي اللبنانية. ولا احد في اسرائيل او اميركا او اوروبا يحتج على هذا الامر. والجميع يركّزون على الـ"سكود". لماذا؟ ماذا يحصل؟ سألت. اجاب الموظف الاميركي المهم السابق اياه: "لم يتسلم "حزب الله" في لبنان صواريخ "سكود". لكن لوجستياً ورسمياً صارت هذه الصواريخ في حوزته، اي ربما يكون تسلمها عناصره الموجودون داخل الاراضي السورية. والضجة التي حصلت هي التي اوقفت إدخالها الى لبنان. هل يمكن إدخالها؟ لا اعرف. اما الصواريخ المضادة للطائرات التي اشرت اليها فإنها صارت في حوزة الحزب وفي لبنان منذ مدة. وسأل "ماذا عن المناطق اللبنانية والمحاذية لسوريا التي يسيطر عليها "حزب الله"؟ وماذا عن الأنفاق التي يتردد بقوة انه حفرها في البقاع الشمالي وهل هي متصلة بسوريا؟" سأل. اجبت: لا اعرف. اسمع كما الكثيرين ومن وسائل الإعلام ان شمال الليطاني صار مهيئاً للحرب ولعمليات الحزب وصولاً الى البقاع المحاذي لسوريا، تماماً كما كانت منطقة جنوب الليطاني وربما لا تزال. ما اعرفه او بالأحرى اشعر به ان "حزب الله" يسيطر على البلاد، بعضها مباشرة وبعضها الآخر على نحو غير مباشر. فتابع بأسئلة اخرى عن لبنان. ما هي؟
ملاحظة: قراءة خاطئة حوّلت "المعصوم" الى "معلوم" في "الموقف" امس. نعتذر عن ذلك.؟
|