إذا كانت العلاقات اللبنانية – السورية من دولة الى دولة تسير حتى الآن في خطها الطبيعي في انتظار ترجمة الاقوال افعالا لجعلها مميزة وممتازة، فان العلاقات اللبنانية – اللبنانية التي تسلك طريق المصالحات ينبغي ان تكون شاملة ولا تستثني احدا لان لا علاقات لبنانية – سورية جيدة ما لم تكن العلاقات اللبنانية – اللبنانية جيدة ايضا وهو ما اكده الرئيس الاسد في حديث له.
والسؤال المطروح هو: هل العلاقات اللبنانية – اللبنانية تسلك الطريق الصحيح بحيث لا يبقى انقسام داخلي يزعزع الوحدة الوطنية التي ينبغي ان تكون قوية وحصينة خصوصا في الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان والمنطقة، وفي ظل التهديدات الاسرائيلية واعمال العنف التي تجتاح اكثر من دولة؟
ان ما يبدو حتى الآن هو ان بعض حلفاء سوريا في لبنان لم يغيروا عادتهم وسلوكهم اذ ما زالوا يميزون في تعاملهم مع اللبنانيين فيصنّفونهم بين فئة وطنية لانها تسير في خطهم السياسي وفئة "عميلة" لانها تسير في خط آخر وتشترط لمصالحتها تغيير خط سيرها والعودة الى الخط الصحيح كما عاد سواها من قوى 14 آذار. وهذا معناه ربط تحقيق المصالحات اللبنانية – اللبنانية الشاملة بالموافقة على وحدة الهدف والمبادئ، وهو ما جعل العماد ميشال عون يقول بوضوح وصراحة ان لا مصالحة مع من بينه وبينهم خلاف سياسي لكن يبقى بينهما تنافس وليس بالضرورة عداء وتصادما، وانه اذا كان قد تصالح مع النائب وليد جنبلاط وتصالح الاخير مع النائب سليمان فرنجيه فلأنه بات يجمعهم خط سياسي واحد. وقد توقفت المصالحات المسيحية – المسيحية حيث توقفت لان بعض حلفاء سوريا في لبنان حالوا دون استكمالها مشترطين ان يتم ما تبقى من هذه المصالحات على اساس السير في هذا الخط كونه هو الذي انتصر على الخط الآخر بعودة سوريا سياسياً الى لبنان او بعودة لبنان اليها. وقد بدأت هذه العودة لدى انعقاد مؤتمر الدوحة الذي تقرر فيه انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية باعتباره رئيسا توافقيا، وتشكيل حكومة توافقية ايضا تجمع الاكثرية والاقلية على اساس الا تستأثر الاكثرية بالقرارات ولا تقدم الاقلية على تعطيلها، وان تجرى الانتخابات النيابية على اساس قانون عام 1960 وان يمتنع الاطراف عن العودة الى استخدام السلاح او العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية. وقد تأكدت هذه العودة عند تشكيل الحكومة الحالية برئاسة رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري، اذ استطاعت سوريا عرقلة عملية التشكيل عبر بعض حلفائها في لبنان مدة خمسة اشهر الى ان طلب منها التدخل للمساعدة على ازالة العراقيل وهو ما حصل فأثبتت سوريا للداخل والخارج ان لبنان لن يحكم من دونها...
لقد تم الاتفاق بين لبنان وسوريا بعد اللقاءات الاخيرة على مستوى الرؤساء على ان تكون العلاقات بين البلدين من دولة الى دولة، والا يتكرر خطأ اقامة علاقات رديفة او مستقلة عن الدولة تجعل فئة لبنانية تستقوي بها على فئة اخرى، لا بل على الدولة نفسها في ظروف معينة ان تمارس سياسة الجمع لا التفريق والتقسيم.
يقول مسؤولون سوريون في هذا الصدد ان سياسيين لبنانيين ما زالوا يتهافتون على سوريا خدمة لمصالحهم ومصالح جماعتهم وليس خدمة لمصالح وطنهم. فهل تتوقف سوريا عن استقبالهم ولها بينهم اصدقاء؟
في حديث للرئيس الراحل حافظ الاسد مع وزير لبناني بارز في عهد الرئيس الياس سركيس، قال له في معرض الكلام على العلاقات اللبنانية – السورية: "اننا لن نبلع لبنان كما يتخيل البعض، بل نحن نراهن على نشوء اوضاع في لبنان يطلب فيها اللبنانيون بأنفسهم التكامل مع سوريا بما يحقق غايتنا سلميا. لكن الامر رهن بارادة اللبنانيين"... وسمع الوزير نفسه يومذاك من مسؤول سوري كان نافذا كلاما آخر يصب في الهدف نفسه اذ قال: "ان دمشق تعتمد على وجود ثغرات عند السياسيين اللبنانيين كي تتمكن من امساكهم والضغط عليهم عندما يحين اي استحقاق... وان دمشق تكون قلقة وغير مرتاحة الى السياسي اللبناني الذي لا تجد في سجله وسلوكه ما يسيء"...
فهلاّ تزال سوريا الى الآن تراهن على نشوء اوضاع في لبنان يطلب فيها اللبنانيون التكامل معها بما يحقق غايتها سلميا؟ وهل بات اللبنانيون جاهزين لطلب ذلك بارادتهم فيتحقق عندئذ قول الرئيس حافظ الاسد: "ان لبنان وسوريا شعب واحد في دولتين"، كما يتحقق شعار حزب البعث "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" (تبدأ من لبنان)؟
الواقع ان هذه الارادة اللبنانية الجامعة لم تتكوّن بعد لانه لا يزال في 14 آذار قوى صامدة في مواقفها ومبادئها وترفض ان تذهب دماء الشهداء في سبيل لبنان المستقل السيد الحر هدرا، لبنان الذي تربطه بالدول الشقيقة والصديقة علاقات ود وتعاون صادقين خصوصا مع الدولة الجارة سوريا شرط ان تكون علاقات من دولة الى دولة تتسم بالمساواة والاحترام المتبادل.
وبما ان هذه القوى لا تزال صامدة في وجه محاولات العودة الى حكم لبنان من سوريا وإن بصورة غير مباشرة بعدما حكمته حكما مباشرا زمن الوصاية مدة 30 عاما، فان الضغوط بمختلف اشكال الترهيب والترغيب تمارس عليها بما فيها العزل والتهميش كي تراجع مواقفها.
وقد بدأت هذه الضغوط بمنع حصول مصالحة مسيحية – مسيحية شاملة كي يبقى مسيحيو 14 آذار الحلقة الاضعف في المعادلة السياسية الداخلية والتي يستعاض عنها عند الحاجة بمسيحيي 8 آذار، وظهرت نتائج هذه الضغوط لدى تشكيل الحكومة الحالية، اذ انه لم يكن لمسيحيي 14 آذار ما كان لمسيحيي 8 آذار فيها، وقد يتكرر ذلك في التعيينات على امل ان يستسلم الصامدون ليشكلوا مع قوى 8 آذار والمتحالفين معها ارادة لبنانية جامعة تطلب من سوريا ما يحقق غايتها في لبنان...