العصر الذهبي للبنان في الولايات المتحدة، والمقصود هنا عصر الاهتمام الكبير بأوضاعه ومشكلاته ومستقبله والذي بدأ اواخر عام 2004، لم يدم سوى سنوات قليلة. علماً ان جهات لبنانية عدة واخرى شقيقة لم تعتبر هذا العصر ذهبياً على الاطلاق لأنه كان على حساب مصالحها وسياساتها واستراتيجيتها كما على حساب مصلحة لبنان بكل شعوبه كما تراها هي بطبيعة الحال. وعلماً ايضاً ان جهات لبنانية اعتبرته ذهبياً بل ربما ماسياً. لكنها اعادت النظر في موقفها هذا بعدما اكتشفت انه لم يحقق لها امنياتها الشخصية والسياسية والوطنية، وان الذين ارادت التخلص من سيطرتهم اشقاء كانوا في المواطنة او في القومية قلبوا ميزان القوى الداخلي لمصلحتهم، وهم يعتبرون حالياً ان ميزان القوى الاقليمي صار في مصلحتهم ايضاً رغم الامكانات الاميركية العسكرية والتكنولوجية الهائلة الموجودة في المنطقة. كما ان هناك جهات اخرى تنتظر الفرصة المناسبة لإعادة النظر في الموقف نفسه ولكن بعد الحصول ربما على ضمانات باستمرار دورها باعتبار ان ما يهم السياسيين والقادة في لبنان هو الدور الشكلي والضوء والصورة والإعلام.
هذا امر اكتشفته منذ اكثر من سنتين اثناء زياراتي السنوية لواشنطن ونيويورك ومناطق اميركية اخرى وبعد لقاءاتي مع عدد من المسؤولين الفاعلين في معظم "ادارات" الادارة الاميركية فضلاً عن الباحثين والمنظمات والجمعيات المؤثرة في السياسة الاميركية الداخلية كما الخارجية وتحديداً الشرق الاوسطية. وهو لم يتغير. اما الفارق الوحيد بين وضع لبنان في اميركا اليوم ووضعه فيها قبل تردي العلاقات السورية – الاميركية ايام الرئيس السابق جورج بوش الابن اي قبل اطفاء واشنطن الضوء الاخضر الذي كانت اعطته لدمشق ايام الرئيس الراحل حافظ الاسد لحكم لبنان او بالأحرى لإدارته - اما هذا الفارق فيمكن تلخيصه بأمور عدة، منها ان اميركا مرحلة الضوء الاخضر المشار اليه كانت تؤكد في كل المناسبات استقلال لبنان وسيادته وديموقراطيته وخروج القوات الاجنبية كلها منه. لكن الممارسة كانت اعتبار الدور السوري (وجود الجيش وادارة الامور والوصاية) في لبنان بنّاء.
اما اليوم فان الضوء الاخضر الاميركي عن سوريا في لبنان لا يزال مطفأ. وان العلاقة بين واشنطن ودمشق رغم عدم انقطاعها لم تعد الى التعاون الذي كانت عليه، والذي كان من ابرز دوافعه شخصية الرئيس الاسد الراحل الذي حوّل سوريا قوة اقليمية كبيرة، والذي كانت "تربطه كلمة" كما يقال والذي كان ببراغماتيته وان مغطاة بمواقف ايديولوجية قومية ووطنية واسلامية راديكالية قادراً على التعامل مع الاميركيين بالمنطق الذي يفهمونه ويؤسسون سياساتهم واستراتيجياتهم عليه اي منطق المصالح.
واليوم ايضاً فان التعاطف مع لبنان لا يزال قائماً بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي على تناقضهما الصارخ في كل القضايا والمواقف، كما لا تزال الرغبة قائمة في مساعدته على "صون" حريته واستقلاله وسيادته ونظامه الديموقراطي. لكن العين بصيرة واليد قصيرة كما يقال. فالمسؤولون الاميركيون وغير المسؤولين يعرفون من زمان ان اللبنانيين هم اساس مشكلاتهم والازمات وان جيرانهم من اشقاء في الدين او المذهب او القومية كما اعداءهم لم يخترعوا هذه المشكلات لكنهم استغلوها واحياناً كثيرة بمطالبات استغاثية من شعوب لبنان المتناحرة وغمقوها ثم منعوا اللبنانيين من التفاهم معتبرين ان ذلك وحده يبقي لبنان ارض صراع لهم ويقسّمه حصصاً عليهم ريثما تمكن الظروف والتطورات المستقبلية فريقاً واحداً، اقليمياً طبعاً، او اكثر من الاستيلاء على كل الحصص فيه. وهم يعرفون ايضاً ان اخفاقاتهم في المنطقة لم تعد تسمح لهم بالتورط في لبنان على النحو الذي أمل فيه عدد كبير من اللبنانيين منذ اواخر 2004 وطوال عام 2005 حتى حرب تموز 2006 التي كانت علامة النهاية، ورغم القرار الدولي 1701 غير المنفذ حتى الآن، للعصر الذهبي الاميركي في لبنان. وهذه المعرفة المتنوعة لا بد ان تدفع هؤلاء المسؤولين وغير المسؤولين في واشنطن الى البحث عن افضل الطرق لاستعادة علاقة جيدة مع سوريا وربما مع غيرها وإن كان ذلك على حساب لبنان عملياً وليس رسمياً.
في اي حال، فان الحديث عن لبنان في اميركا ذو شؤون وشجون. علماً انني لم افتحه الا مع الذين اثاروه معي كوني لبنانياً لأنني اولاً لا "انغشّ" بالمظاهر ولأنني ثانياً عوّدت اصدقائي في العاصمة الاميركية وفي عاصمة العالم نيويورك الصراحة اي تبادل الصراحة في الاحاديث والمناقشات.
في اختصار سأبدأ من يوم غد سلسلة حلقات من "الموقف هذا النهار" كما هي عادتي بعد كل رحلة طويلة وسأعرض فيها للقارىء اللبناني ولأي قارىء عربي راغب، حصيلة اللقاءات والمناقشات ليس عن لبنان فحسب، بل عن فلسطين واسرائيل وسوريا وعملية السلام واخفاقاتها وعن الخليج بكل دوله، وعن ايران الاسلامية و"خطرها" على جيرانها العرب وعن تركيا الجديدة وشمال افريقيا العربي ومصر. وعليهم هم الاستنتاج والاستخلاص. لكن قبل انتهاء هذه المقدمة لا بد من الاشارة الى امور ثلاثة مهمة. الاول، ضراوة الصراع الذي يخوضه الحزب الجمهوري ضد الرئيس باراك اوباما وحزبه الديموقراطي والذي ستظهر نتائجه في الانتخابات النصفية بعد اشهر قليلة. ويرجح البعض فوز الجمهوريين بالغالبية في مجلس النواب وليس في مجلس الشيوخ. والثاني، بداية حديث عن غياب مرجعية القيادة والامرة عند الرئيس اوباما ليس فقط داخل الاوساط المعارضة له، بل حتى في الاوساط المؤيدة له. علماً ان موقفه الحازم حيال قائد حملة افغانستان الجنرال ستانلي كريستال قد يغير هذه النظرة. اما الثالث، فهو ان اوباما قد يكون رئيس ولاية واحدة اذا نجح الجمهوريون في جمع صفوفهم واذا برز من بينهم زعيم قادر على اجتذاب الناخبين الاميركيين. علماً ان نجاحهم هذا ليس سهلاً، فضلاً عن ان الوقت لا يزال مبكراً على التكهنات.
|