الصفحة الرئيسية
اعلام مواضيع بحث تواصل نشاطات ومبادرات رئيس حزب السلام حزب السلام العالم اللبناني مؤتمر الحزب اللجان للاتصال مقابلات
 
       

علي حمادة

الثلثاء 12 كانون الثاني 2010
 

هذا التركي القادم إلينا بخطى متسارعة! [1]

 

في المرة الاخيرة التي زار فيها الرئيس الشهيد رفيق الحريري تركيا عام 2004، كنت هنا. وكانت معركة التمديد في بداياتها بعد اعلان الرئيس السوري بشار الاسد "لبننة" الاستحقاق الرئاسي، أقله من الناحية النظرية. يومذاك انقسمت الآراء بين من صدق ان "اللبننة" حقيقة، وبين من اعتبر ان الخيار الوحيد هو خيار التمديد للرئيس السابق اميل لحود. كان رفيق الحريري في عداد الذين اعتبروا ان التمديد يجب ان يواجه بتوسيع آفاق "اللبننة" واطلاق حملة لاستدراج ترشيحات رئاسية جدية تقلص حظوظ التمديد، وتدفع السوريين الى التسليم بالحراك السياسي اللبناني الداخلي وحاجته الى ان يخرج من الانغلاق الذي كانت الوصاية قد حبسته فيه.
اليوم وفيما سعد الحريري يدخل الفندق نفسه في انقره الذي نزل فيه والده رئيسا للحكومة اللبنانية زائرا تركيا حزب العدالة والتنمية، يتكرر مشهد مألوف لمن واكب الحريري الاب، إذ تبدو على محيّا الحريري الابن علامات الارتياح الشديد وهو يطأ ارضاً تركية. اكثر من ذلك، ومن خلال ما ورثه هنا من موقع وعلاقات، وايضا بعد سنوات خمس من التواصل الدائم مع القيادة التركية ولا سيما مع رئيس الحكومة اردوغان ورئيس الجمهورية غول، وثالثهما كيسينجر تركيا العدالة والتنمية احمد داود اوغلو، يمكن القول ان سعد الحريري يأتي الى هذه البلاد بحرارة من ينهل منها الكثير من الأمان الذي يحتاج اليه اي مسؤول لبناني يخاف فعلاً على بلده من تبعات لعبة الامم الدائرة بقوة هذه الايام على المسرح الشرق الأوسطي. ففي الوقت الذي تتزاحم سيناريوات الحروب والنزاعات في كل اتجاه من لبنان الى ايران مرورا بغزة واليمن والعراق، من الطبيعي ان يأتي رئيس الوزراء اللبناني الى تركيا على رأس وفد وزاري كبير في اول زيارة رسمية له لبلد غير المملكة العربية السعودية بدافع استدراج مزيد من الرعاية، او سوريا بدافع المصلحة في اقامة علاقات جديدة تقي لبنان خضات غير مرغوب فيها. وتكتسب هذه الزيارة بعدا سياسيا بامتياز حيث ان الاقتصاد والاعمال هنا يلعبان دورا رديفا. فإلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين في خطوة تحول المنطقة الواقعة من شواطئ البوسفور عند الناحية الاوروبية الى العقبة على البحر الاحمر مرورا بسوريا ولبنان منطقة يتمتع فيها سكانها بحرية التحرك بما يجعل من المنطقة المشار اليها متى تم توقيع اتفاقات للتجارة الحرة بين البلدان الاربعة "شينغن" شرق اوسطية - على ما قال لنا البارحة وزير الخارجية التركي داود اوغلو، فيها ما يزيد على 100 مليون نسمة: 70 مليونا في تركيا، 20 في سوريا، و10 في لبنان والاردن معاً. انها سوق كبيرة نسبيا، ويمكن ان تسبق السوق العربية الموعودة باشواط. والاتحادات الاقتصادية، او مناطق التجارة الحرة هي بالتعريف المدخل الامثل لدفع التوترات الاقليمية، والنزاعات من كل نوع بين الكيانات، وحشرها في زوايا المفاوضات التقنية الضيقة والباردة بدل ان تكون ادوات لاشعال حروب وتأبيد نزاعات.
ما تقدم لا يعني اننا صرنا على اعتاب مرحلة تزول فيها النزاعات من المشرق العربي. فالمخاطر كبيرة وحقيقية، ويشعر بها المراقب هنا من خلال التلميحات في انقره. فإذا كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان هاجم اسرائيل بشدة متناهية خلال مؤتمر صحافي مشترك أمس مع الرئيس سعد الحريري، فهذا لا يعني ان شبح الحروب الاقليمية التي يمكن ان تستهدف لبنان او غزة او حتى ايران قد زال. فالمؤشرات مقلقة، والخطاب التركي المتشدد حيال السياسات الاسرائيلية الراهنة قد يكون محاولة لاستباق حرب تشنها اسرائيل، او تستدرج اليها طرفا عربيا يمكن ان يكون على سبيل المثال "حزب الله" في لبنان او "حماس" في غزة مع الاخذ في الاعتبار ان معظم السيناريوات تتحدث عن لبنان ساحة لحرب اقليمية مقبلة.
بالطبع تبقى السيناريوات مجرد سيناريوات قد لا تتحقق. ولكن إذا كانت اسرائيل دولة معتدية وعدوة للبنان كما اشار الحريري البارحة خلال المؤتمر الصحافي مع اردوغان، فإنه يتعين عدم اعطائها الذرائع للاعتداء. انها رسالة تنم عن قلق مصحوبة برسالة اخرى موجهة الى الداخل اللبناني مفادها ان اللبنانيين لن ينقسموا حيال عدوان اسرائيلي جديد تماما كما انهم موحدون على اعتبار اسرائيل دولة عدوة ومعتدية وتحتل ارضا عربية عليها ان تعيدها لتفوز بسلام مع محيطها العربي. ولا حل امامها غير ذلك، طال الزمن ام قصر.
تركيا المقبلة بخطى متسارعة، تركيا الحاضرة والمتغلغلة في كل المشرق العربي، تركيا احد الاطراف الرئيسية الناظمة لأمن المشرق العربي – التركي – الايراني.
أين هي تركيا اليوم ؟ والى اين يسير عثمانيو القرن الحادي والعشرين؟ وما هو موقع لبنان وسوريا على رقعة الشطرنج الكبيرة الممتدة من حدود باكستان شرقا الى ابواب اوروبا غربا؟