الصفحة الرئيسية
اعلام مواضيع بحث تواصل نشاطات ومبادرات رئيس حزب السلام حزب السلام العالم اللبناني مؤتمر الحزب اللجان للاتصال مقابلات
 
       

سمير عطالله - نيويورك

الاربعاء 6 كانون الثاني 2010
 

المسيحيون: ذلُّ البرّ ومذلَّة البحر

 

انتهت سنة المسيحيين في لبنان على ايقاع محزن، شأن سنواتهم السابقة، التي مرت الواحدة اشد واقسى من الاخرى. ومنذ فترة طويلة وفرح الميلاد ومسرته ومذوده تمر مثل احزان الآلام وأكاليل الشوك، لولا الفاصل الزمني بينهما. وفي هذا الميلاد بالذات بدا الجزع واضحا اكثر من ذي قبل. فالخوف يبلبل النفوس وينزع منها ضوابط المواجهة وصمود الإباء.
وقد تمثل هذا الاضطراب في قرار رئيس اساقفة بيروت، المطران بولس مطر، الرد على مقال ثانوي في صحيفة "عكاظ" صاغه صاحب التوقيع بكمية من الالفاظ الفارغة والمعلومات السطحية. فقد رأى ان بيروت مكتظة بالكنائس، فيما هي مدينة كتب تاريخها القديم على جدران مساجدها ورؤوس مآذنها. اراد صحافي مولع بالالفاظ ان يثير اهتمام فئة من القراء، فاذا القضية ازمة كبرى، إذ قرر حَبر كنسي توضيح خطبته لحِبر صحافي.
ننسى دائما، في لبنان، ماذا، ومَن، وكيف، تتناول صحافتنا مقامات الآخرين واقوالهم ومواقفهم. ويغيب عنا ان سياسيينا وظفوا "سرماياتهم" في المناقشات القانونية، واستعاروا من البرّية نعوتاً لزملائهم. لكن المسألة هنا ان رجال الكنيسة، المطران مطر في بيروت، والمطران بشارة الراعي في جبيل، عبّروا عن مخاوف كامنة كانت تحال من قبل على الصدور وكراسي الاعتراف.
الراعي اعترض على مقارنة الجنرال عون آلام المسيح بآلام عاشوراء، قائلا إن الكنيسة هي التي تقرر القضايا الايمانية. والحال ان عون كان يتحدث كـ"بطريرك سياسي"، مذ اعلن نفسه كذلك. وهو يعرف، بالتأكيد، ان الشيعة مذهب لا دين، وان دين الشيعة هو القرآن (القرآن كتابي، في الاحكام الاثنتي عشرة) وعاشوراء في صلب التاريخ لا في صلب العقيدة، في حين ان الصلب هو رمز الاعتقاد الروحي وقاعدة الايمان عند المسيحيين. وقد صلب يسوع ابن مريم بين لصّين، كان افضلهما لص الشمال، في حين ان الإمام الحسين استشهد مناضلا على رأس قوم كبير ونفر هائل من الانصار، لم يتخل عنه منهم احد.
اذاً، كان تصريح عون رأيا واجتهادا، فلماذا لا يقال؟ فقبل ان تحفظ الكنيسة مفهوم الايمان عند ابنائها، كالجنرال عون، او عند نَقَدتْها، مثل صحافي "عكاظ"، يجب ان تحفظ سر ذلك الايمان، وهو مفهوم الحرية في المسيحية وتقديمها على كل شيء آخر. لقد جعلها يسوع صنواً للحق وشرطا له: تعرفون الحق، والحق يحرركم. وما هي فكرة الصلب والفداء؟ انها الإعتاق. فكرة ان يولد طفل في مذود، كي يعتق اهله من عبودية روما وذل العقد اليهودي مع وكيلها، بيلاطس. تلك هي ثقافة الفكر او الفكرة المسيحية، كما لخصها ارنست رينان، الحرية ضد مستعبدي الخارج وعبيد الداخل.
نتفهم طبعا خوف الرعاة على الرعية. او منها. ولكن هذا لا يعطيهم الحق في الفرض السياسي. ومشكلة الكنيسة في لبنان شعورها اليائس بأـن المشكلة الحقيقية في الخراف، لا في الذئاب. هي الخراف، التي اعتادت، بلذة جماعية غامضة، الاندفاع الطوعي الى المهالك. هي التي تندفع جماعات الى الانتحار. هي التي تلبي، جماعة، ما يسميه علماء النفس "نداء الفراغ"، او "نداء السقوط". اي تلك الحالة التي يرى فيها انسان نفسه على مرتفع شاهق، فيرمي بحاله الى القاع.
اضحت عادة قديمة، حتى تكاد تصبح طبيعة. تتخلى الخراف عن الارض والعشب والمياه، وعندما تصل الى ما فعلت، تركب ذل البر او مذلة البحر. فالتعلق بالوطن والارض يكاد لا يتعدى، غالبا، موال عتابا او تزكة عرق على البردوني. والمسيحيون، نهاية الامر، نتاج ما فعلوا، ونتيجة ما لم يفعلوا. هم الذين اختاروا، على الدوام، من عرض عليهم مسيرة الهلاك، وهم الذين رفضوا، على الدوام، الذين عرضوا عليهم شراكة الحكمة والحرية والعقل والانتماء الى حقيقة الامة.
انتهت السنة الماضية على كلام بالغ الاهمية والخطورة قاله السيد حسن نصرالله، الذي يتزعم اكبر حركة سياسية في لبنان اليوم، ويحمل بيده الكثير من مفاتيح المرحلة الوطنية التي نمر بها، لا كطوائف بل حتى كأمة ودولة. على ان طريقة المخاطبة، لفئة من اللبنانيين، هي في حال ضعف لم يُعرف منذ مرحلة 1914، لم تكن تليق بخطاب القوي امام الضعيف، والموحَّد امام المشتت، والعارف بأمره امام الجاهل بمصيره، او المجيَّر له.
كان من الافضل كثيرا ان يخاطب اللبنانيون بعضهم البعض بلغة الدعوة لا بلغة الانذار، او التهديد. واذا من خلال سياسي، او رؤية مختلفة، فليس هذا حال المسيحيين وحدهم. واذا كانت العروبة هي الحل المثالي والنهائي، فان المسيحيين سبقوا الكثيرين من المسلمين اليها، دعوة وانتماء وعملا ونضالا. ولم يكن من فضل لاحد على آخر إلا بمدى "التقوى". واقصد المسيحيين العرب في كل مكان. لذلك ليس من الانصاف قول السيد إن 150 الف جندي اميركي لم يستطيعوا حماية مسيحيي العراق. فليس من مسيحي في العراق طلب حماية غير حماية دولته. والمعارضة العراقية التي قادت المارينز في شوارع بغداد والبريطانيين في شوارع البصرة، لم يكن فيها مسيحيون. لقد جاء الاميركيون من اجل بول وولفويتز ولتدمير قوة عربية اخرى يمكن ان تهدد اسرائيل. ولم يعرف عن اميركا حمايتها للمسيحيين في اي مكان. وفي الحرب الاخيرة في البلقان، وقفت الى جانب المسلمين سياسيا وقصفت عسكريا مدن الصرب وعاصمتهم. وهي التي اعدت في قبرص انقلابا على المطران مكاريوس، رفيق عبد الناصر وبطل الحرب على بريطانيا، ومهدت لاقدام تركيا على تقسيم الجزيرة. وعندما فرّ مسيحيو العراق من المذابح، لجأوا الى الاردن وسوريا، وليس الى الولايات المتحدة.
اذا كان الخوف قد دفع بعض المسيحيين في الماضي في اتجاهات خاطئة او انحرافية، فهذا لا يجردهم من حقوقهم كأسرة لبنانية ضمن الأُسر الاخرى التي بنت البلد وسعت في استقلاله وحريته ووطدت اقتصاده ونقلته، ذات مرحلة، من القلة الى الازدهار.  ولا يجردهم، خصوصا، من كرامتهم، مهما اذل بها بعضهم وتاجر بها البعض الآخر ووضعها البعض الثالث تحت "سرمايات" من يرغب، كما في تعابير الوزير وهاب، الذي يدير الآن، بمهارة فائقة وتمتع واضح، حركة السير المتقطع على دروب العودة.
طالما شعرت، كلبناني، بكبر عندما كان يأتي ذكر السيد حسن في العالم العربي. وليسمح لي ان اشعر بأسى عميق عندما يلجأ الى لغة الاستكبار، الذي قامت زعامته على محاربته في سبيل المستضعفين. ويبدو كثيرون من اللبنانيين اليوم ضعفاء ومستضعفين أمام خطاب سياسي ووطني غير مألوف ومفاجئ. وبكل صدق ادعو السيد حسن الى ان يبسط امامنا لغة لقواعد الحوار قبل الدخول الى قاعته. لا يمكن ان يكون حوار دون كلمة سواء.