الصفحة الرئيسية
اعلام مواضيع بحث تواصل نشاطات ومبادرات رئيس حزب السلام حزب السلام العالم اللبناني مؤتمر الحزب اللجان للاتصال مقابلات
 
 
   
سركيس نعوم      
2010/10/28

 

8 آذار و"رعاته" والتغيير من داخل النظام ؟

 

في الثالث من شهر كانون الأول 2006 نزل فريق 8 آذار بقيادة "حزب الله" وحمايته في آن واحد الى الشارع. فاقفلت جماهيره وسط العاصمة بيروت واقامت فيه قرابة الـ17 شهراً، بعدما حوله الحزب مخيماً سلمياً ومدنياً قابلاً للتحول امنياً فعسكرياً. وشكَّلت تلك الجماهير في حينه تهديداً جدياً لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة الذي كان معتصماً مع الذين لم يستقيلوا من حكومته في السرايا الحكومية المجاورة لـ"المخيم" بل لحياتهم، وخصوصاً في ظل "النصائح" التي تلقاها في حينه قادة "الحزب" لاقتحام مقر رئاسة الحكومة بالقوة. طبعاً لم يحصل الاقتحام. وبدأ نوع من السجال بين جمهور كل من 8 و14 آذار وخصوصاً بين "شعب" كل منهما. اذ في مقابل "حفلات" الخطابة التهديدية التي كانت تقام كل ليلة في المخيم، قبل ان يقلع عنها منظموها لاحقاً، قامت حفلات دعم خطابية للسنيورة والصامدين معه في الحكومة. وطالت هذه الحفلات، وكان احد مقاصدها افهام فريق 8 آذار ان محاولة الحسم لن تكون سهلة، وانها ستتسبب بفتنة مذهبية.
في اختصار، عندما انتهت تلك المرحلة بـ"اتفاق الدوحة" في ربيع 2008 ظن فريق 14 آذار انه ربح انتخاب رئيس للجمهورية بعد فراغ في الموقع الدستوري الأول استمر اشهراً، وتأليف حكومة وحدة وطنية احترمت الغالبية النيابية القائمة (وكانت لـ14 آذار)، ثم اجراء انتخابات نيابية عام 2009 اعادت نتائجها اعطاء فريق 14 آذار الغالبية في مجلس النواب. وبعد ذلك أُلفت حكومة وحدة وطنية جديدة شعرت فيها الغالبية بشيء من الراحة نظراً الى غياب ما سمّي الثلث المعطل عنها على الأقل رسمياً. لكن ظن فريق 14 آذار لم يكن في محله. اذ ان التطورات التي حصلت في البلاد منذ حرب اسرائيل على "حزب الله" ولبنان عام 2006 أدت الى تغيير تدريجي ولكن ثابت في ميزان القوى لمصلحة 8 آذار وحلفائه الاقليميين. و"اتفاق الدوحة"، الذي انهى "اعتصام المخيم" وفراغ الرئاسة وقضى، وإن موقتاً، على احتمالات الانفجار، "شرعن" ذلك التغيير وذلك من خلال اعتماد مفهوم "الديموقراطية التوافقية" القائمة على الثلث المعطل معلناً كان أو مستتراً. وهذا النوع من الحكومات محكوم بالشلل. وهذا امر يلمسه اللبنانيون يومياً. وأفسح ذلك كله في المجال امام عودة النفوذ والتدخل السوريين المباشرين تدريجاً الى لبنان. ومع الوقت والتطورات العنفية والسياسية التي شهدتها البلاد ومع تبدل المناخات الخارجية، تصدَّع فريق 14 آذار وفقد غالبيته النيابية عملياً، وقد يظهر ذلك رسمياً في أي امتحان تصويتي تفرضه الظروف سواء داخل مجلس الوزراء أو داخل مجلس النواب.
لماذا هذا الكلام الآن؟

ربما لأن هناك شيئاً مشابهاً لما حصل في السنوات الماضية يجري اليوم. ففريق 14 آذار محاصر وغالبيته النيابية شبه مفقودة. و"حكومة الوحدة الوطنية" التي يقودها زعيمه سعد الحريري مشلولة. الأمر الذي انعكس شللاً لكل مؤسسات الدولة، وتوتراً سياسياً واحتقاناً مذهبياً، واستعدادات سواء لفرض المواقف بالقوة أو لتغيير ما حصل في 2005 بالقوة أو لمنع حصول ذلك بالطرق المناسبة. والعامل الذي تسبب بكل ذلك كان "المحكمة الدولية"، والقرار الظني المتوقع صدوره عن المدعي العام فيها، وترجيح توجيه الاتهام الى عناصر من "حزب الله". وبلغت المعركة السياسية حيال هذا الموضوع حداً جعل اللبنانيين يظنون، وبسبب سيناريوات سربت الى الاعلام، او خطابات وجهت بواسطته، ان بلادهم تقف على أهبة تغيير جذري ينفذه مزيج امني - عسكري - سياسي. وما عزز ظنهم هذا "الانذارات" المتلاحقة مِمَّن يوصفون عادة بـ"المراسيل" غير الرسميين وحتى اعلان مواعيد تنفيذها. الا ان هذا الظن لم يكن في محله. اذ ان الاجواء السائدة حالياً تشير الى هدنة قد تطول، سواء بسبب تطورات اقليمية – دولية لا بد من أخذها في الحسبان، أو بسبب رسالات دولية – اقليمية مهدئة ومحذرة من انفجار نهائي للوضع ومن غالب ومغلوب في لبنان، او بسبب "النجاح" في تأخير صدور القرار الظني كما يقال. وطبعاً وفي حال صح كل ذلك فانه لا يعني، وفي نظر العارفين والخبراء من اللبنانيين والعرب، ان الصراع سائر الى تسوية في لبنان. فما حصل مع "الدوحة" وبعده سيحصل مثله في المرحلة المقبلة. اي ان فريق 8 آذار وتحديداً "حزب الله" مع محور سوريا – ايران الذي يدعمه سيتابع اعداد نفسه للامساك الكامل والنهائي بلبنان. وقد يستعمل "المحكمة الدولية" بغية ضرب النظام القائم في لبنان والمبني على اتفاق الطائف واقامة "لبنان جديد" مكانه مع وضع سوري مميز فيه او ربما أكثر من مميز. فالنظام الجديد في لبنان هو وحده الذي يحفظ سلاح المقاومة الى الابد. وهو الذي يؤمن "لشعبها" الكلمة الاولى في البلاد وربما الى الابد. وهو الذي يُكرِّس المكانة الدولية لسوريا في لبنان وربما الى الأبد. علماً ان عبارة الى الابد هنا قد تكون تبسيطاً لأن لا شيء اسمه الى الابد في هذا العالم. والشواهد على ذلك كثيرة. وما يدفع العارفين والخبراء انفسهم الى اعتقاد كهذا هو قول رئيس مجلس النواب نبيه بري للمرة الثانية وهذه المرة من باريس، "ان القصة في موضوع الاستقرار في لبنان ليست فقط قصة المحكمة الدولية بل ايضاً قصة العقد الاجتماعي. لبنان في حاجة الى خريطة طريق متكاملة..." والعقد الاجتماعي يعرف اللبنانيون ماذا يعني. صحيح، يلفت هؤلاء، الى ان الفريق الشيعي الاقوى اليوم "مأزوم باللحظة" لاعتبارات عدة، لكنه الاقوى. وعنده مشروعه التغييري. ويبدو انه يفضل ان ينفذه من داخل النظام وليس بطريقة انقلابية الا اذا اضطرته التطورات الى استعمالها. كما ان المحور الاقليمي الداعم له لا يخالفه في ذلك كله على الاقل من حيث الجوهر، وخصوصاً اذا كرّس له موقعاً نهائياً وثابتاً وربما رسمياً في لبنان.
في النهاية قد يعتبر البعض ذلك تبصيراً أو تهويلاً، لكنه ليس كذلك. ففريق 14 آذار ليس أمامه الا الدفاع. والدفاع قد يُجدي اذا عرف كيف يقوم به، واذا صمد، لأن تطورات الخارج الحاسمة دائماً في لبنان لا يعرف أحد في أي اتجاه قد تكون رغم الاتجاه المعروف للرياح السائدة الآن في المنطقة.