توّج موضوع العلاقات مع سوريا احداث نهاية العام 2009 المنصرم في ضوء الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة سعد الحريري لدمشق للمرة الاولى منذ اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري، كما تصدّر الموضوع نفسه واجهة المحادثات التي اجراها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مع نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي في الايام الاولى من مطلع السنة الجديدة واعلانه امام قصر الاليزيه ان العلاقات مع سوريا "جيدة جدا وسننظر في تحسينها". وهذا الكلام الايجابي يوازن بكثير الكلام الايجابي الذي اطلقه حتى الآن الرئيس السوري بشار الأسد في شأن علاقات بلاده مع لبنان منذ زيارة الحريري، علما ان مصادر ديبلوماسية وسياسية في بيروت تعتقد ان موضوعي ترسيم الحدود وايجاد حل للمفقودين اللبنانيين لدى سوريا ليسا وحدهما جوهر العلاقات الثنائية بين البلدين التي يفترض ان تبدأ مرحلة جديدة مبنية، وفقا لاشارة الرئيس سليمان امام الاليزيه، على "العلاقات الديبلوماسية وسيادة كل دولة على اراضيها".
ذلك ان موضوعي ترسيم الحدود وحل موضوع المفقودين اللبنانيين على اهميتهما يظلان قاصرين عن ان يكونا العنوان الكبير الذي يشكل اساسا للعلاقات الثنائية المفترضة، اي عدم تدخل سوريا مستقبلا في شؤون لبنان الداخلية واحترام خيارات البلد الجار. وتاليا فان طريقة التعاطي السوري ومقاربة العلاقات الجديدة تبدأ بممارسة سورية معينة مختلفة عما كان عليه الوضع في السابق. فالاشارات الايجابية من سوريا لا تزال حتى الان مقتصرة على امور غير جوهرية وان تكن اساسية، ولا يزال الوقت مبكرا للحكم ما اذا كانت هذه المؤشرات ستفيد في وقت قريب ان سوريا تقر بلبنان كبلد ندّ تتعاطى واياه بالتساوي. ويخشى المراقبون المعنيون ان تكون الاستعدادات السورية الايجابية مرحلية لتقطيع الوقت، باعتبار ان سوريا استخدمت لبنان غالبا من اجل المساومة مع الدول القريبة والبعيدة. فمن جهة يود اللبنانيون ان تلتزم سوريا، الى جانب المسائل التقنية العالقة بين البلدين، عدمَ التدخل في شؤونه، من خلال تحديد شروطها او ممارسة ضغوطها على حكومته ومسؤوليه وفق الرسائل التي دأبت وسائل اعلامها الرسمية على توجيهها في المدة الاخيرة. فربط سوريا عبر اعلامها دعم الحكومة والتعاطي واياها بتأييد الحكومة للمقاومة مثلا هو تدخل واضح في الشأن اللبناني لا علاقة لسوريا به، حتى لو كان حلفاؤها في لبنان يقومون بهذا الدور بالنيابة عنها، اضافة الى ذلك فان استعادة سوريا التعامل مع المسؤولين ورؤساء الاحزاب اللبنانيين وفق ما دأبت على القيام به امر يصعب القول معه انها تحترم سيادة لبنان واستقلاله. ومع ان الميزان ليس سهلا نتيجة العلاقات التاريخية بين البلدين فان ثمة خيطا رفيعا بين انزلاق الصداقات والعلاقات الانسانية بين المسؤولين السوريين وشخصيات لبنانية في السلطة او خارجها الى عملية ادارة هؤلاء السياسيين واملاء القرارات عليهم وتاليا التحكم مع الوضع الداخلي في لبنان، وفقا لما اعتادت سوريا خلال اكثر من اربعة عقود.
والخشية التي يبديها هؤلاء المعنيون مردها الى مؤشرات متناقضة مع المؤشرات الايجابية التي ابدتها القيادة السورية في المدة الاخيرة، فالسفارة السورية في لبنان لم تظهر اي حضور الى درجة افتقادها من البعثات الديبلوماسية الاخرى حتى من اجل تأمين ما يحتاج اليه بعض الديبلوماسيين الأجانب المتنقلين بين لبنان وسوريا لزيارة دمشق مثلا، على ما كان ابلغ هؤلاء لدى فتح السفارة السورية في لبنان.
كما يخشى هؤلاء ان تكون الخطوات السورية في التطبيع مع لبنان، وان تكن تمليها اعتبارات سورية داخلية كموضوع المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس الحريري وموضوع استعادة العلاقات مع الزعماء السياسيين في لبنان بعد انقطاع اكثر من خمس سنوات مع ما لهذين الموضوعين من أبعاد وانعكاسات متصلة باعتبارات خارجية تتعلق بالعلاقات السورية مع الولايات المتحدة التي لم تشهد العلاقات بينها وبين سوريا تقدما يذكر، وذلك على رغم الانفتاح الذي شهدته وتوقع تعيين سفير اميركي جديد لدى دمشق، وحتى توقع زيارة جديدة لدمشق يقوم بها كل من نائب وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط جيفري فيلتمان ومسؤول الامن القومي دانيال شابيرو في موازاة الزيارة التي يقوم بها البمعوث الاميركي الى المنطقة جورج ميتشل لدمشق ايضا الاسبوع المقبل. كما تتصل بعلاقة سوريا ببعض الدول الاخرى ومن بينها مصر الذي توجهت اليها الانظار بعد زيارة الحريري لدمشق والتطبيع السوري السعودي لمعرفة ما اذا كانت ثمة حلحلة ستطرأ على ملف العلاقات بين البلدين تمهد لحل الامور الاخرى، ومن بينها الملف الفلسطيني على صعيد المصالحة الفلسطينية الفلسطينية.
فهل تكون المرحلة الجديدة من العلاقات جديدة فعلا وتعكس اقتناعات مختلفة لدى القيادة السورية بلورتها التجارب في الاعوام السابقة، ام ان "شهر العسل" الذي يتم التحضير له سيقتصر على تقطيع مرحلة تحتاج سوريا الى تقطيعها بما تعمل عليه راهنا؟
واقع الامر ان معالم المرحلة الجديدة لا تزال غير واضحة بالنسبة الى الجميع، خصوصا ان حلفاء سوريا من المتفائلين المبشرين بعودة العلاقات يتحدثون عن عودة العلاقات الى عهدها السابق مما يؤكد الخشية التي يحتفظ بها كثر حيال المرحلة المقبلة. لكن المسؤولين المعنيين يفضلون انتظار ما ستحمله هذه المرحلة بتفاؤل متحفظ اذا صح التعبير.