دلالات خطرة في استعادة لبنان ساحة للتجاذبات الإقليمية
حسابات المصالح الاستراتيجية وراء التصعيد الأميركي حيال سوريا
اتسم الموقف الاميركي في مجلس الامن الذي عبرت عنه المندوبة الاميركية الدائمة لدى الامم المتحدة سوزان رايس بانه كان تحذيريا وأكثر شراسة وفق ما لاحظ بعض المراقبين من المواقف التي كانت تعبر عنها الوزيرة السابقة للخارجية الاميركية كوندوليزا رايس. فرفعت واشنطن بقوة وتيرة لهجتها او خطابها ازاء دمشق على نحو خاص بعد مراعاة في الاشهر الأخيرة وصولا حتى جولة مساعد وزيرة الخارجية الاميركية جيفري فيلتمان في المنطقة وزيارته لبيروت. اذ ان الكلام استمر على صعوبات في العلاقة مع دمشق لكنه كلام معطوف على الرغبة في تذليل العقد في ظل استمرار تأكيد الادارة الاميركية نيتها ارسال السفير الاميركي المعين روبرت فورد الى دمشق وفي ظل تعاون اميركي سوري حقيقي في موضوع العراق.
وبحسب مصادر مطلعة فان هذا الموقف لم يتغير وكرره الناطق باسم الخارجية الاميركية في الساعات الاخيرة في إشارة الى عدم رغبة واشنطن في العودة الى الوراء في علاقاتها مع العاصمة السورية، الا ان التصريح الذي ادلت به المندوبة الاميركية رايس على هامش الجلسة المغلقة لمجلس الامن لمناقشة تقرير الامين العام للامم المتحدة حول القرار 1559 وزع في بيروت بالتزامن مع موعد الجلسة في نيويورك لتأكيد الرسالة الاميركية حول لبنان والى المعنيين به، وكان مؤشرا الى تحذير واشنطن سوريا من تعريض العلاقات بينهما للعودة الى الوراء. وهي علاقات حققت تقدما بدليل موقف الادارة الطامح الى انفتاح مع سوريا واحتواء ينقض ما قام به الرئيس السابق جورج دبليو بوش، على رغم قول وزير الخارجية السوري وليد المعلم في حديثه الى الصحافة الاميركية ان هذه العلاقة الجديدة لم تحقق تقدما، في حين ان الرئيس السوري بشار الاسد لم يسقط من الاعتبار استعدادات الادارة الاميركية نحو بلاده.
وتقول مصادر سياسية مطلعة ان الادارة الاميركية تعتقد ان سوريا عادت الى اللعبة القديمة المعهودة لديها من خلال تسعير حلفائها الوضع الداخلي في وجه الحكومة في مقابل الطلب اليها اقليميا ودوليا تهدئة الوضع في لبنان والعمل على تأمين الاستقرار فيه. وذلك على غرار محاولة توظيف زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد للبنان وفق ما تخشى دول كثيرة ان يكون انزلاقا لبنانيا نحو الحضن الايراني، بحيث تضطر الدول التي تعتبر ان ضرراً كبيراً سيحصل من جراء ذلك الى توسيط سوريا او الطلب اليها اعادة الامساك بالوضع في لبنان. ولا تخفي مصادر ديبلوماسية مطلعة ان ثمة تناقضاً تقع فيه الدول الكبرى المؤثرة بين ان تطلب من سوريا الامتناع عن التدخل في الشأن اللبناني، وبين ان تطلب منها ممارسة نفوذها فيه من اجل ضبط حلفائها وعدم تهديد الاستقرار وزعزعته. لكنها اللعبة التقليدية المبنية على ادراك ان سوريا يمكن ان تؤدي الدورين معاً، أي ان يتحرك حلفاؤها لأجندة خاصة بهم او لاجندة اقليمية تتصل بسوريا، كما هي الحال مثلا بالنسبة الى موضوع "شهود الزور" الذي تتذرع القوى الحليفة لسوريا بأنها تطالب به لأن سوريا تلقت اتهامات في السابق على اساسه في حين تصدر سوريا مذكرات قضائية في حق شخصيات لبنانية من محيط رئيس الحكومة سعد الحريري. وهذان العنصران يتصلان بتدخل سوري مباشر ارتكز عليه الاميركيون في الاسابيع الاخيرة لتذكير دمشق بانها عادت الى عهدها السابق في التدخل في الشأن اللبناني متخلية عن الدور "الايجابي" الذي اوحت انها تقوم به في الفترة السابقة.
الا ان المعطيات التي توافرت اخيرا وكانت وراء ما تعتبره المصادر المعنية بمثابة "يقظة" اميركية تتصل بما هو اعمق وابعد من الوضع اللبناني، مبنية على الارجح على تقويم اميركي للوضع الامني الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة، وارتبط في شكل اساسي بما حصل مع زيارة الرئيس الايراني نجاد للبنان، والتي لا يعتقد ان اثرها في انزلاق لبنان الى حضن ايران على نحو مباشر وسريع لاعتبارات متعددة، بل بالبعد الاوسع المتصل بالمنطقة وفي ضوء المصالح الاميركية الحيوية في الشرق الاوسط. اذ تبين في ضوء هذا التقويم ان الامور وصلت الى مستوى جديد ونقلة جديدة بعد هذه الزيارة انطلاقا من تأثيرها على جملة مواقع طائفية ومذهبية وسياسية في المنطقة.
ولم يفت هذه المصادر حصول حركة في المنطقة في موازاة مناقشات مجلس الامن حول القرار 1559 وتزامن المواقف الدولية مع مواقف اقليمية موازية تعيد الى الواجهة الخلاف المصري السوري في مقابل التنسيق المصري السعودي، بحيث يبدو ان الامور في المنطقة تتجه الى مفصل مهم شأنها شأن الوضع في لبنان نتيجة المعطيات الجديدة في العلاقات بين دول المنطقة في اعقاب زيارة نجاد للبنان.
والاسئلة التي تطرح في ضوء هذه النقلة التصعيدية في التعاطي الاميركي من خلال خطاب اكثر وضوحا ومباشرة متعددة، وكذلك الاجوبة التي تتحكم فيها حسابات الربح والخسارة للافرقاء المعنيين بها وفي مقدمهم سوريا على اساس المعادلة التقليدية أي "الجزرة" وما هو معروض عليها، في مقابل "العصا" أو الضرر الذي يلحق بالسلوك أو الاداء السوري. لكن الدلالات الاكثر خطورة لهذه المعطيات المتتالية في الايام الاخيرة هي ان لبنان عاد مجددا ساحة للصراع او التجاذب الاقليمي الذي لا يمكن بسهولة معرفة كيف ينتهي، خصوصا ان لكل فعل رد فعل يقابله، أقله وفق ما ظهر في المواقف التي صدرت في نيويورك.