ما لم يتّفق الزعماء على نظام للبنان يخرجه من وضعه الشاذ الأبواب تبقى مشرعة للتدخل الخارجي ولهزّ الاستقرار
السؤال الذي بات الجواب عنه ملحاً هو: متى يخرج لبنان من الوضع الشاذ الذي يعيشه منذ سنوات؟ فلا نظام، ولا قانون ولا دولة ولا دستور ولا حتى قضاء، بل نظام لكل يوم بيومه وبحسب الظروف. فالنظام الديموقراطي معلّق من جراء تفاقم المذهبية وسطوة البندقية غير الشرعية، والنظام التوافقي يعمل به حيناً ولا يعمل به حيناً آخر، وذلك بحسب ما يتفق عليه وزراء الاكثرية ووزراء الاقلية في حكومة ما يسمى "وحدة وطنية"، هذا اذا اتفقوا...
والخروج من هذا الوضع الشاذ يتطلب عقد مؤتمر وطني بأسرع وقت يتم الاتفاق فيه على النظام الملائم لتركيبة لبنان الدقيقة كي تقوم الدولة القوية القادرة على تطبيقه، اذ لا يعقل ان يظل لبنان يسير من دون نظام تحكم الدولة بموجبه، ومن دون قانون يطبق على الجميع ولا يظل حتى النظام الذي اتفق عليه موقتاً يطبّق استنسابياً ووفق المزاج السياسي لهذا الطرف او ذاك... فميثاق 43 جعل طرفاً لبنانيا يشكو من الصلاحيات الواسعة الممنوحة لطرف آخر مما اخلّ بالتوازن السياسي الداخلي وجعل من اللبنانيين ابناء ست وابناء جارية على حد قول الشاكين من هذا الوضع، وراحوا يطالبون بوجوب اعادة النظر في هذه الصلاحيات كي تصبح متوازنة بين السلطات.
ولم يتم التوصل الى اتفاق على ذلك إلا بعد حروب دمرت لبنان وشرّدت ابناءه، ولم تتوقف الا بعد التوصل الى اتفاق عرف بـ"اتفاق الطائف"، وقد ظل تطبيقه ناقصا وما طبق منه لم يكن دقيقاً وعادلاً، وعادت شكوى طرف من صلاحيات اعطيت لطرف آخر وأخلت بالتوازن الداخلي وحرمت رأس الدولة صلاحيات تمكّنه من الحكم او حسم الخلافات عند حصولها. اما الاتفاق على اعتماد النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض، فظل هو النظام الذي يؤمّن الاستقرار السياسي على مدى سنوات الى ان خضع لبنان لحكم الوصاية السورية الذي راح يطبق هذا النظام على هواه بحيث بات اقرب الى النظام الشمولي منه الى النظام الديموقراطي. فرئيس الجمهورية يختاره حكم الوصاية والنواب ينتخبونه، والحكومة يتم تشكيلها من قبل هذا الحكم ولا تستقيل او تطرح الثقة بها الا بارادته ولا محاسبة لاعمالها الا بموافقة الحكم عينه.
وعندما انتهى حكم الوصاية السورية ظن اللبنانيون انهم سيخرجون من الوضع الشاذ الذي يعيشونه عند اجراء الانتخابات النيابية التي تجعل الاكثرية التي تنبثق منها هي التي تحكم والاقلية تعارض. لكن ما حصل كان خلافاً لذلك اذ تبيّن انه لا يمكن تطبيق النظام الاكثري في ظل تحالف مذهبي يفرض شروط مشاركته في الحكومة حتى اذا لم يؤخذ بها امتنع عن المشاركة، وعندها يصبح متعذرا تشكيل حكومة تكون شرعية وميثاقية وتتمثل فيها كل المذاهب خصوصا ان هذا التحالف يستطيع فرض شروطه بقوة السلاح الاقوى من سلاح الدولة. ولم يكن ثمة حل لهذا الوضع المعقد، الا بجمع الاكثرية والاقلية في حكومة واحدة بكل تناقضاتها واختلاف رؤيتها لكثير من المواضيع المهمة. ووصف هذا المزيج الغريب بسياسة التوافق التي لا بد من اعتمادها في لبنان ما دامت التحالفات بين اللبنانيين طائفية ومذهبية وليست وطنية كما كانت في الماضي. اذ كان المذهب اذا لم يتمثل في الحكومة بهذا الزعيم من حزب او كتلة معينة فإنه يتمثل بزعيم آخر.
وقد تبيّن بعد تطبيق "النظام التوافقي" الغريب ان عجلة الحكم لا تسير سيراً طبيعياً وهي "مكربجة"، واذا سارت فإنها تسير من دون قيادة احياناً او من دون كوابح او ان السائق لا يكون واحداً... واذا بهذا النظام لا يجعل المشاركين فيه يتوصلون الى اتفاق وتوافق حتى على الامور العادية، فكيف على الامور المهمة، واذا ما اتفقوا فإنهم لا يلبثون ان يعودوا ويختلفوا ولا آلية تحسم الخلاف عندما يكون التوافق هو المطلوب فيبقى الموضوع مجمداً الى اجل غير معروف حتى وإن كان ملحاً. اما اذا تقرر الحسم بالتصويت، فمطلوب قبل التصويت الاتفاق اولا على اعتماده... وهو ما حصل عندما صار اتفاق بين اللبنانيين على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كي تنظر في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، ثم اختلفوا عليها وانقسموا انقساماً حاداً بين من يصر على بقاء هذه المحكمة لمعرفة الحقيقة والوصول الى العدالة، ومن يصر على إلغائها بحجة انها "مسيسة" لا بل هي "اميركية واسرائيلية". وانقسموا ايضا حول ملف شهود الزور وهل ينظر فيه امام اي قضاء، وهل يبت قبل صدور القرار الظني ام بعده... وسلاح "حزب الله" الذي صار اتفاق على ان يكون مسانداً لقوات الدولة في مواجهة اسرائيل اصبح موضوع خلاف بعدما تحول الى الداخل وأخلّ بالتوازن الدقيق، وهو ما جعل التوصل الى اتفاق على الاستراتيجية الدفاعية شبه متعذر.
وتبين ايضا ان اخطر ما في النظام التوافقي انه يبقي الموضوع المختلف عليه قائما كأمر واقع من دون حسم، الى ان يحسم الخلاف في شأنه، اي ان المحكمة باقية ما دام الخلاف في شأنه لم يحسم، وسلاح "حزب الله" باق ما دام الخلاف حوله لم يحسم، وهذا معناه ان رأي طرف يبقى مفروضاً على طرف آخر ما دام التوافق لم يحصل، في حين ان النظام الديموقراطي نص بوضوح وصراحة على ان الخلاف يحسم بالتصويت عندما يتعذر التوافق، واذا كان لا بد من اعطاء مهلة لتحقيق هذا التوافق قبل الحسم بالتصويت، فينبغي ان يصير اتفاق على ان الموضوع المثير للخلاف يطرح على مجلس الوزراء ثلاث مرات مثلا حدا اقصى حتى اذا ما تعذر التوصل الى توافق، تم حسمه بالتصويت الذي يجعل الاقلية ترضخ لقرار الاكثرية او تنسحب من الحكومة ويتم عندئذ تعيين بدائل او تجرى استشارات لتسمية رئيس الحكومة يتولى التأليف لانه لا يجوز ولا يعقل لمصلحة الوطن والمواطنين ان تبقى عجلة الحكم تراوح مكانها لان التوافق لم يحصل بين من يقودها.
لذلك لا بد للخروج من هذا الوضع الشاذ من عقد مؤتمر وطني يسعى المشاركون فيه الى الاتفاق على اي نظام يريدون للبنان: نظام ديموقراطي، نظام شمولي، نظام رئاسي او نصف رئاسي، نظام فيديرالي، نظام ترويكا، بقيادة السنة والشيعة والموارنة وبصلاحيات متوازنة اذا كان الشيعة باتوا يطالبون بان يكون لهم توقيع وهم في السلطة، ويكون عقد هذا المؤتمر بديلا من حرب تدمر لبنان قبل التوصل الى اتفاق على اي نظام وأي دستور ملائم يوزع الصلاحيات بعدالة وتوازن بين الطوائف الكبرى. فميثاق 43 وضع بعد نزاع، واتفاق الطائف وضع بعد حروب، فليتفق اللبنانيون على اي نظام ودستور يريدون من دون حروب يجلسون بعدها الى الطاولة، ولكن بعد الخراب.