ترى أوساط سياسية انه لا بد من حسم الخلاف حول اعتماد النظام الديموقراطي الاكثري او النظام التوافقي، فاذا تقرر اعتماد النظام الاكثري فينبغي في هذه الحال تطبيق أحكام المادة 65 من الدستور عند البحث في بت المواضيع الأساسية المحددة فيها وعددها 14. وهذه المادة تنص على أن يتم التوافق عليها، فاذا تعذر ذلك فالموافقة تكون بثلثي أعضاء الحكومة. أما اذا تقرر اعتماد النظام التوافقي فينبغي الاتفاق على طريقة اعتماده. أي هل يعني التوافق عدم بت أي موضوع الا بالاجماع، أم ينبغي تحديد المواضيع التي تتطلب التوافق، حتى اذا تعذر ذلك تبقى مؤجلة الى ان يتحقق هذا التوافق، أم أن المواضيع التي تتطلب الموافقة عليها بالتوافق تعرض على مجلس الوزراء في جلستين أو أكثر (يتم الاتفاق على تحديد عددها) فاذا ظل التوافق عليها متعذراً عندها تطرح على التصويت وتتطلب الموافقة عليها ثلثي عدد الوزراء الذين تتألف منهم الحكومة.
أما لماذا مطلوب الاتفاق منذ الآن على الاختيار بين النظام الاكثري والنظام التوافقي، فلأن الحكومة تواجه اتخاذ قرارات في مواضيع مهمة ينبغي وضع قاعدة لبتّها لئلا يصير خلاف على ذلك اذا ما اختلط تطبيق نظام في حالة وتطبيق نظام آخر في حالة أخرى.
وترى الاوساط نفسها ان في استطاعة الحكومة اذا ما قررت اعتماد النظام الاكثري ان تعود الى المادة 65 من الدستور وتضيف الى المواضيع الـ14 المحددة فيها مواضيع أخرى يصير الاتفاق على اعتبارها أساسية ومهمة وتتطلب الموافقة عليها غالبية الثلثين. أما اذا تقرر اعتماد النظام التوافقي، فإن على الحكومة ان تحدد معنى التوافق، هل هو الاجماع؟ هل هي أكثرية الثلثين؟ او ثلاثة أرباع أصوات الوزراء الذين تتألف منهم الحكومة؟ وهل تبقى هذه المواضيع معلّقة الى ان يصير توافق عليها، أي اجماع، حتى لو كان بتها ملحا وضروريا كونها تتعلق بمصلحة الوطن العليا او بمصحة المواطن الحيوية، مثل: موضوع الحرب والسلم، وموضوع الموازنة، واعلان حال الطوارئ، وتعيين الموظفين، وحل مجلس النواب، وإقالة الوزراء؟
الواقع، إن لبنان يسير منذ سنوات من دون دستور يتقيد بأحكامه تقيداً تاماً وبخلاف على تفسير بعض مواده من دون تحديد الجهة الصالحة لحسم الخلاف على تفسيرها، ويسير ايضا من دون تحديد أي نظام ينبغي اعتماده، أهو النظام الاكثري، وقد حددت المادة 65 من الدستور طريقة بت المواضيع المذكورة فيها، أم هو النظام التوافقي الذي يطبق استنسابيا وانتقائيا على مواضيع من دون أخرى لأن فئة لبنانية أرادت ذلك، ولأنها لا ترى الشراكة الوطنية الحقيقية في الحكم في النظام الاكثري، بل في النظام التوافقي، وقد خيرت الفئة الاخرى بين اعتماد النظام الاكثري في حال تمّ الغاء الطائفية السياسية، او اعتماد النظام التوافقي في حال لم تلغَ الطائفية...
وما دام الامر كذلك فينبغي الاتفاق على معنى "النظام التوافقي"، وكيف يطبق، وعلى أي من المواضيع التي تعتبر مهمة كي يوضع حد للاستنساب والانتقاء في تطبيقه. وهذا من شانه أن يطرح الاسئلة الآتية:
أولا: هل صار توافق على حرب تموز 2006، أم أن فئة قررت هذه الحرب من دون اعطاء ولو حتى علم وخبر للفئة الاخرى، رغم أنها شريكة معها في الحكم؟
ثانيا: هل صار توافق على اعتبار الحكومة غير شرعية وغير ميثاقية عندما استقال منها الوزراء الشيعة؟ وهل طرح الموضوع على مجلس النواب كي يحسم في الخلاف حول الوضع الحكومي؟
ثالثا: هل صار توافق على مواجهة اسرائيل بمقاومة تتولاها فئة من دون أخرى، فلا يبقى السلاح في يد فئة تحت عنوان "المقاومة" وتبقى فئة اخرى من دون سلاح وكأنها ضد اعتماد المقاومة في مواجهة اسرائيل؟
رابعا: هل صار توافق على الغاء الطائفية السياسية وعلى شروط تحقيق ذلك؟
خامسا: هل صار توافق على ان يصير الاحتكام الى الشارع وليس الى المؤسسات عند الخلاف مع الحكومة؟
سادسا: هل صار توافق على كيفية تنفيذ قرار هيئة الحوار الوطني في ما يتعلق بسلاح الفلسطينيين خارج المخيمات وضبطه في داخلها كي لا يظل حبراً على ورق؟
سابعا: هل صار توافق على طريقة تشكيل حكومات "الوحدة الوطنية" عندما يتعذر تشكيل حكومات من الاكثرية؟
ثامنا: هل صار توافق على انتخاب رئيس الجمهورية بأكثرية الثلثين حتى اذا تعذر ذلك فبالاكثرية زائداً واحداً؟
إن الحكومة تواجه مشكلة التعيينات ومشاكل أخرى مهمة تنفيذا لما جاء في بيانها الوزاري. فهل صار اتفاق على كيفية مواجهتها والخروج منها باعتماد النظام الاكثري؟ وكيف؟ أم باعتماد النظام التوافقي؟ وكيف؟
يقول النائب السابق جواد بولس في مقال له: "لقد ثبتت جماعات سياسية نظام التوافق بين "كتلتين" وهو ما اقتضاه تعايش الضرورة للدفاع عن الذات الطائفية، ويتحكم في سلوك كل من هذه الجماعات تحصين "مصالحها الوجودية العليا" لأن الشعور بالخوف الدائم من فقدان الحرية يولّد لديها حساسية مفرطة حيال أي خطر يمكن أن يهدد وجودها. وقد نتج من ذلك اقتناع كل جماعة بأنه من الضروري احاطة نفسها بسياج من الضمانات تتقي به مخاطر المستقبل المجهول".
ويضيف: "إن للديموقراطية ثلاث ركائز اساسية هي: حكم الاكثرية المنتخبة بحرية من الشعب، حماية حق الاقلية في المعارضة، التناوب على السلطة بين الافرقاء السياسيين. وهذه المنظومة تصلح عندما تكون الاكثرية "سياسية" والاقلية "سياسية"، بحيث ينتقل الاقلوي الى الاكثرية مع تزايد قبول الناخبين طرحه السياسي، وتسقط هذه المنظومة عندما تكون الاكثرية والاقلية دينية او عرقية، لأنه لا يمكن الانتقال من واحدة الى أخرى إلا بتغيير الدين او الخروج من العرق". ويختم بالقول: "إن العلة ليست في الطائفية السياسية بل في السلاح الطائفي الذي هو الاساس أمام استتباب النظام وقيام الدولة".