أُعطيت الدول التي لا تستحق صفة الدولة نعوتا استلحاقية مبررة، كموقع البنود في العقود. هكذا قيل في الدول المتخلفة دولاً نامية، والدول المتخلفة بفظاعة دولاً في طريق النمو، او دولا فاشلة. وسميت الجمهوريات التي لا جمهور فيها سوى الرئيس الجماهيريات، وسميت دول مثل بلغاريا ورومانيا في الماضي اشتراكيات ديموقراطية. وخطر لعالم فرنسي ان العالم ثلثان وثلث ثالث، فسمّى كل من ليس في العالمين الاولين العالم الثالث وذلك على مجرى القول ان للهر لودفيغ فون بيتهوفن ثماني سمفونيات. وله ايضا التاسعة.
عبثا حاولت ان اجد تصنيفا او توصيفا متفقا عليه، للجمهورية اللبنانية. فهي ليست دولة مارقة، لانها تعاني الهزال. وهي ليست اشتراكية شعبية، لان ما هو اشتراكي فيها لا علاقة له بالشعب، وهي ليست جماهيرية لان جماهيرها لا تظهر الا كل اربع سنوات، لمناسبة كأس النخوة، فتخرج الاعلام والرايات من انوال الكتان ومحايك الزوق الى شرفات العاصمة. وكلها للوطن. وكلنا طبعا كذلك.
انتشلني من هذه الحيرة الاستاذ بشارة منسى في كتابه "العروبة والاصولية الدينية"(1)، اذ يحدثنا عن حال جديدة بين الامم، هي حال الدول "المتلاشية". يا للدقة، ويا للهول. وللمناسبة فقط، اتساءل لمن يكتب بشارة منسى الذي يهدي كتابه "الى جورج شحادة وادمون رباط، اللذين تعلمتُ على يدهما، بالصدق والصداقة، كما في دور العلم العباسية، الادب والقانون". لم يبلَّغ هذا الرجل بعد، لانه يرفض تسلم إشعار البريد المضمون، بان عصر جورج شحادة، درّة الرقة، وعصر ادمون رباط، غرة القانون، قد اصبحا في قدم العصر العباسي. او اكثر بعدا وامحاء.
لا نستطيع التمسك بالعصور الجميلة الى الابد، ولكني لا ادري لماذا نحن ممنوعون ايضا من الحلم بعصر طبيعي، عادي، نخرج فيه من حال التلاشي المستمر الى حال الشعوب المستقرة؟
تعيّن عليّ الاثنين ما قبل الماضي ان اتسلم حقائب شخصية وضعت خطأ في مسار آخر. ذهبت الى مقر الشحن الجمركي ظنا ان المسألة تتطلب توقيعا وجواز سفر وكشفاً على الفانيلات ومعاجين الحلاقة والاسنان، والادوية على انواعها وفئاتها وايقاعاتها.
وصلت في الحادية عشرة وغادرت، ومعي القمصان والفانيلات والمعاجين، في الرابعة بعد الظهر.
وآخر ما اذكره من ملحمة الشحن ان السيدة، صاحبة آخر توقيع على المعاملات التي معي، سألتني بشفقة صادقة، لماذا كل هذا الوقت؟ سوف احاول الاجابة. لم يسئ احد معاملتي بين الموظفين، بل ان ثلاثة منهم كانوا غاية في الادب، لم تأخذ المعاملة بين ايديهم اكثر من ثوان. لكن على كم مكتب كان علي ان امر لكي اعود بحقائبي؟ للصدق، لا ادري على وجه الضبط. ولكن بين المكاتب التي مررت عليها خمس مرات، وتلك التي مررت بها مرة واحدة او مرتين، لا بد ان تحرير الحقائب استغرب اكثر من 20 توقيعا و20 ختما. اجل، الارجح، اكثر.
فلنبق في العالم الثالث. قبل سنوات شحنت الى قبرص مجموعة من الكتب. وعندما ذهبتُ لتسلمها قال لي المسؤول: لا بد لك من مخلِّص بضاعة. قلت: ليس في الامر ما يستدعي، فهي عبارة عن كتب خاصة. قال بكل ادب: "نعرف انها كتب خاصة، لكننا نريد لابنائنا عملا. هذا الشاب امامك يجب ان يكون قد اطعم اولاده وتناول العشاء قبل ان يذهب الى النوم. والا سوف يمضي ليله أرِقاً يلعن الدولة ويحلم بالهجرة".
لا اعرف ما هو القانون الذي يقتضي اكثر من 20 توقيعا كي يحصل المواطن على حقائب شخصية ضلت الطريق. وفيما "الكشاف" يعاين الشنط، وهو والله رجل مؤدب، اكتشف امرا جللا. لقد شاهد اربعة كتب وسط الفانيلات والادوية، فقال بتهذيب: آسفون، لكن هذه تحتاج الى معاملة اخرى ومرورا بالامن العام.
كان الرجل يحاول الاتكال على آخر قطرة صبر، من غير ان يدري انها نفدت في مكتبه في الطابق الثاني بعد توقيعه الثالث، على "البضاعة"، في المستودع الرابع. قلت له، لدي حل اكثر بساطة وراحة، انني كمواطن اقدم الحقائب، بما فيها، هدية الى الدولة. ولكن ارجوك، لا تمس كتبي. لا اريد ان يقال ان فولكنر ووالاس ستيفنز وتشيخوف لا يدخلون لبنان الا بموجب محضر. ارجوك.
ذكّرني الامر بحكم اللجان في الجماهيرية الشعبية الاشتراكية الليبية العظمى. ففي احدى مراحل الثورة، روى لي صديق من النظام انه كان يفترض في كل من يرغب في السفر الى الخارج، ان يتقدم بطلب لا بد من توقيعه في تسع دوائر. وبعد ان يتم توقيعه في الدوائر التسع، لا بد من الذهاب الى الدائرة العاشرة للموافقة على التواقيع السالفة! السمفونيات الثماني ثم السمفونية التاسعة!
هل تقتضي حادثة شخصية الذكرَ في مقال افتتاحي في "النهار"؟ أليس مكانها المقسم 19، مثلا؟ لا. هذه ليست حادثة شخصية. هذه ظاهرة من ظواهر التلاشي: ان يشتغل اكثر من 15 موظفا على حقائب شخصية فيها فانيلات وفولكنر وتشيخوف وكولينوس وجيليت. البلاط الاسود الذي كان ابيض في الماضي ليس مسألة شخصية. موقف الدولة المتلاشي من نفسها، وموقفها من شعبها واهلها ومواطنيها، ليس مسألة شخصية. في امتحان القانون، على الدولة ان تثبت جدارتها وأحقيتها. لان القانون هو الطريق الوحيد الى العدالة في الناس، لا الى ازدرائهم. موقف الدولة من حياة الناس، وامن البشر، وسلامة الحياة العامة، والقوانين الناظمة للعيش، ليس مسألة شخصية.
لا اعتقد ان موظفي جمارك المطار كانوا اسعد حالا مني ذلك النهار. فالحرارة الاربعون وسلالم الحجر صعودا وهبوطا كانت على الجميع، والدائرة الخالية من مصعد كهربائي كانت ظلامة الجميع، والحمامات التي تقنع الانسان بان الحصر افضل من الفرج، مسألة عامة، لا خاصة.
وعندما يكون الامر كذلك فهذه علامات التلاشي. علامات غياب المنطق في العلاقة بين الدولة والناس. علامة ان القانون قد تخلف عن العصر دهرا وعصرا، ولم يتنبه احد الى ذلك بعد. بموجب اي عقل اداري يتوجب تشغيل هذا العدد من كبار وصغار ومتوسطي الموظفين، في سبيل امتعة خاصة لا اهمية لها الا عند صاحبها؟ وحتى بالنسبة اليه لم تكن ذات اهمية لولا آلة التنفس ومجموعة فولكنر. وليم فولكنر.
ليس هناك ما هو اسوأ من هذا الشعور المحتدم في نفوس الاهالي: أن الدولة لا تظهر ولا تستقوي الا على ضعفاء العامة، وان القانون يغيب في السلم وفي السلامة وفي الامن، ويحضر بجمهرة موظفين في معاملة لأمتعة ضلت طريقها، فبدل ان تصل كحقائب مرافقة وصلت كحقائب ملعونة، فيها معاجين وفيها فولكنر وفيها صيدلية من صيدليات الجيب.
ترف ما نشكو منه؟ ماذا سوف يقول اذاً ابن برج ابي حيدر؟ ماذا سيقول الذي يمكن ان يعتبر انه مقصود بنوعية التوعد الصادر عن السادة النواب والوزراء السابقين واللاحقين؟ محزنة الدول المتلاشية، لانها، بهذا المعنى، فاقدة الاهلية، وتاليا فاقدة المسؤولية. انها الفريق الاضعف في صراع الاقوياء والمستقوين. لقد اظهر "الإشكال الفردي" في برج ابي حيدر ان الذي يضرب "بيد من حديد" هم المتقاتلون، بصرف النظر عن الهوية.
كيف نظر الناس الى صور برج ابي حيدر في اليوم التالي؟ بأي هلع؟ كيف رأوا انفسهم فجأة عراة، بلا حماية، وهاربين لا يدرون الى اين، وبيوتهم مهدمة من غير ان يعرفوا لماذا يهدم الحادث الفردي بيوت جميع الافراد. الى مَن يذهب المواطن الذي عقد صفقة سرية مع ذاته: لا امل في قيام الدولة ولا كفيل الا رحمة الله.
في "قلب مفتوح"(2) يسرد عبده وازن، في رقة وألق، حكاية جيله الذي افاق على الحرب. يقول ان الكهنة كانوا يرفضون الصلاة على المنتحر لان الانتحار محرم في المسيحية (والاسلام) ولكن مع تكاثر اليأس وقضايا قتل الذات، لم يعودوا يسألون ان كان الشاب مات منتحرا في خندق اليأس، او مقتولا في أتون الكره.
اتمنى ان يقوم السياسيون، وخصوصا الذين جاؤوا من اصول بسيطة، بجولة نهارية او ليلية، على احياء بيروت. وعلى احياء طرابلس وصيدا. وان يروا ماذا تعني الاربعون درجة مئوية في برج حمود. ولكن ما اكثر التمنيات في بلد يتلاشى في خناق اليأس ولا يزدهر فيه سوى انعدام الضمير.
|