لئن أبرز المشهد العراقيّ في السنوات الأخيرة علامات غير قليلة بالفتنة المذهبيّة الأهليّة المزمنة في بغداد أيّام البويهيين والسلاجقة، فإنّ المشهد اللبنانيّ تكفّل من جهته باستحضار عناصر غير قليلة من المأثور عن الفتنة الأولى، أو الفتنة الكبرى وهذا على الرغم من تعقيدات الواقع اللبناني المنقسم طائفياً بين مسلمين ومسيحيين، قبل إنقسام المسلمين مذهبياً وإنقسام المسيحيين سياسيّاً.
لكن، وكلّما جرى التطرّق في المشهد اللبناني إلى عناوين كـ"الإغتيال السياسيّ" وسبيل كشف حقيقة الفاعل، و"الإجماع" ومغبة نقضه من طرف واحد إعتباطاً، وجدليّة الحقّ والعنف، وثنائية التحاكم والخروج، والإفتراق بين منطق الفوضى ومنطق الدولة، حضرت نتف وإسقاطات من زمن الفتنة الأولى، تلك التي حدثت قبل التبلور المذهبيّ بقرون، والتي تحتاج إلى حفريّات تاريخية حقيقية لتبيان معالمها.
هكذا تتداخل الشخصيات والصور والأمكنة بعضها ببعض، في لعبة مقلقة لا يحتملها لبنان. غير أنّ نقطة الذروة في المشابهة بين وعود الفتنة على الطريقة اللبنانيّة، وبين الزمن الأوّل للفتنة، الزمن المأثور، هو ذلك المنطق المفتن، الذي يقول إنّ الفتنة هي الآخر، وان الحقيقة فتنة، والعدالة فتنة، والإجماع فتنة، وحقن الدماء فتنة، وحفظ الرقاب فتنة، وأنّه ينبغي محاربة الآخر، الباحث عن الحقيقة والعدالة والمتقيّد بشروط الاجماع والرافض من أساسه للفتنة، لأنّ هذا الآخر هو الفتنة.
فهذا الآخر الداعي إلى العدالة والحقيقة والإلتزام بالإجماع، والذي قدّم الشهيد تلو الشهيد لأجل إستعادة إستقلال لبنان، وتمهيداً لإستعادة الدولة في لبنان، هو فتنة. أمّا الذي يحارب الفتنة فهو من شتم الشهداء ما إن قضوا، وأنكر الحق في معرفة ومعاقبة من قتلهم، وقال إنّ اسرائيل وراء اغتيالهم دون أن يستشعر بأنّ ذلك إذا صحّ سبب إضافيّ للمحاكمة الدوليّة.. هذا في وقت لايزال الفريق نفسه يطالب بالمحاكمة الدوليّة لإسرائيل على جرائمها القديمة والجديدة، وبالأخص جرائمها في حربها الأخيرة ضدّ غزّة، وجريمة تنكيلها بالطاقم الإنسانيّ لـ"أسطول الحرّية".
هذه مفارقة العصر. فريق يدعو إلى محاربة الفتنة بالحديد والنار، مع أنّه هو وحده يملك الحديد والنار، أي يملك القدرة على سحب صاعق الفتنة أو تفجيرها. هذا الفريق يقول بمحاربة الفتنة بالعنف، أو بهيبة العنف على أقل تقدير، وباستنزاف قدرات البلاد والعباد والمواسم، وبنشر سيناريوات "ياجوجية ماجوجية"، والقيام بنفيها حيناً، وتبنيها علناً حيناً آخر، وأحياناً نفيها وتبنيها في الخطاب نفسه.
والمشكلة هنا أنّ "الحرب الإستباقية" قد تكون أحياناً أقل كلفة دمويّة من الحرب المتأخّرة، في حين أنّ "الفتنة الإستباقية" ليست إلا الفتنة العارية، الفتنة التامّة، فما أقصى من فتنة يكون مطلعها أنّ طرفاً مسلّحاً يتحرّك بوجه طرف أعزل من السلاح، على أساس إعتبارات إفتراضيّة صرف؟
على إمتداد أربعة عشر قرناً من تاريخ هذه المنطقة كان المشترك في كلّ تعريفات "الفتنة" أنّها "الخروج عن الإجماع"، هذا بصرف النظر عن مستويات هذا الإجماع أو نوعيّته. واليوم في لبنان، ماذا تكون الفتنة غير "خروج عن الإجماع"، سواء كان هذا الإجماع هو الميثاق أو الدستور أو مقرّرات طاولة الحوار أو الإجماع المحقّق في "صلح الدوحة" حول تحريم اللجوء إلى السلاح وكذلك تحريم التهديد بالسلاح؟
ثمّة في نهاية الأمر من يفتح مشكلة لا مع إجماع بعينه، ولا مع عدالة بعينها، بل مع كل منطق ينشد العدالة ويلتزم بالإجماع، وفي مقدّمته الإجماع على طلب الحقيقة والعدالة. ثمة من يسقط تاريخاً كاملاً من الفتن على بلد صغير كلبنان، بلد تبدأ الفتنة مباشرة فيه ما أن تجري المكابرة على مقولة "قوّة لبنان في ضعفه".
في الواقع، ثمّة خياران لا ثالث لهما حيال الوضع اللبنانيّ: إمّا أن تكون "قوّة هذا البلد في ضعفه"، أي بإدراكه أنّ تعدّديته هي من نوع حسّاس جدّاً وينبغي المحاذرة من إدخالها في تجارب، ويجدر العمل على إرسائها على قاعدة موزونة متوازنة (والمناصفة في هذا المجال هي المبدأ الموزون المتوازن بإمتياز)، وإمّا أن تكون قوّة هذا البلد في فتنته، و"فتنة هذا البلد في قوّته"، أي في تحميل لبنان أوزاناً مرهقة لا طاقة له عليها، ووضعه تحت رحمة منطق إشتباك دائم، وثقافة ياجوجية ماجوجية لا تكلّ ولا تملّ، وإسقاطات مباشرة تعيد علينا رواية المأثور المزعج والمقلق من زمن الفتنة الأولى، الفتنة الكبرى.. هذا مع فارق أساسيّ هو أنّه في التأريخ الكلاسيكيّ المهيمن انتهت الفتنة الكبرى بـ"عام الجماعة" وبقيام "الملك العضوض"، أي "العبور إلى الدولة" في الشروط التاريخية الممكنة يومها. تبدو الأمور أعقد في لبنان اليوم وأكثر عسراً.
|