أسئلة كثيرة تختلف الاجوبة عنها باختلاف المصدر، وفي ضوئها يمكن المرء معرفة اين تذهب ازمة القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه بلبنان في هذه المرحلة الصعبة والدقيقة. هل تذهب به نحو الفتنة ام نحو فراغ حكومي؟
وهذه الاسئلة هي:
اولاً: ما هو موقف سوريا من القرار الاتهامي، وبالتالي من المحكمة الخاصة بلبنان؟ فاذا قبلت به ولم تعتبره مسيساً ووافقت على محاكمة من تثبت مشاركته في الجريمة، فهل ينسحب هذا الموقف على "حزب الله" وعلى اي حزب آخر ضالع في ارتكاب هذه الجريمة، وما الذي تفعله سوريا اذا كان لهذا الحزب موقف آخر قد يشعل فتنة في البلاد ربما تمتد شرارتها الى دول في المنطقة، ام ان سوريا تأخذ برأي "حزب الله" القائل بأن يبدأ البحث عن الحقيقة بالتحقيق لبنانياً مع الشهود الزور؟
ثانياً: هل يكون موقف ايران شبيهاً بموقف سوريا من القرار الاتهامي لأن ذلك يجعل "حزب الله" يسلّم بما جاء في هذا القرار على ان يبدأ العمل على نقضه وابطاله امام المحكمة عندما تبدأ المرافعات؟
ثالثا: ماذا لو كان موقف ايران مختلف عن موقف سوريا وحضت "حزب الله" على رفض القرار الاتهامي وكان لهذا الرفض تداعياته في لبنان وربما في المنطقة، وما هو الموقف الذي تتخذه سوريا في هذه الحالة، هل تقف على الحياد ام يكون ذلك بداية ابتعاد بعضهما عن بعض، وإن حبياً، باعتبار ان لكل منهما وضعه الخاص وظروفه؟
رابعاً: هل يلجأ "حزب الله" الى الشارع للتعبير عن رفضه القرار الاتهامي ام يلجأ الى مجلس الوزراء املاً في التوصل الى اتفاق على خطوة ترضي الجميع وبعدها يكون لكل حادث حديث، واذا حصل انقسام في مجلس الوزراء حول تقويم مضمون القرار الاتهامي، واعتبره البعض مسيساً، فما هو المعيار الذي يعتمد للحكم على ذلك، هل يحال الموضوع الى لجنة من رجال القانون الاكفياء والمستقلين لابداء رأيهم فيه؟ هل يستقيل الوزراء الذين يمثلون قوى 8 آذار اذا تعذر التوصل الى اتفاق على موقف واحد من القرار الاتهامي، وتكون الاستقالة اهون الشرين، لتفادي خطر اللجوء الى الشارع وتداعياته الكارثية، فيتكرر عندئذ المشهد السياسي الذي واجهته حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عندما انسحب الوزراء الشيعة منها احتجاجاً على مناقشة مشروع النظام الاساسي للمحكمة ذات الطابع الدولي من دون انتظار التقدم بملاحظات عليه، وقد ينسحبون اليوم من حكومة الرئيس سعد الحريري احتجاجاً على قرار اتهامي "مسيّس" في نظر الحزب ومن يرى رأيه؟
في اعتقاد اوساط سياسية مراقبة، ان استقالة الوزراء الذين يمثلون قوى 8 آذار قد تكون خطوة ديموقراطية اقل ضررا عوض اللجوء الى الشارع واشعال فتنة تستغلها اسرائيل لتضرب ضربتها في لبنان وربما في ايران.
وترى الاوساط نفسها انه قد يكون لسوريا بالتنسيق والتفاهم مع ايران او من دون تنسيق بينهما، دور في مرحلة ما قبل وما بعد صدور القرار الاتهامي قد يسمح بممارسة اللعبة الديموقراطية وذلك باللجوء الى الاستقالة وان كانت تشكل مخالفة لاتفاق الدوحة، لانها لا تقبل ان يكون الرد على القرار الاتهامي باللجوء الى الشارع وإحداث فتنة قد تتجاوز حدود لبنان وتجعل اسرائيل بالتالي تنتهز الفرصة لتجتاح لبنان كما اجتاحته عام 1982، متذرعة بالعمليات الفدائية التي كانت تقوم بها التنظيمات الفلسطينية انطلاقاً من لبنان. والاجتياح الاسرائيلي هذه المرة للبنان قد لا تقف سوريا منه موقف المتفرج، وعندها تمتد شعلة الحرب الى المنطقة وتحديداً الى ايران في محاولة لتحقيق اهداف اسرائيل ومخططاتها. وهذا ما يجعل سوريا وايران تعملان على منع اشعال فتنة في لبنان ومعالجة موضوع القرار الاتهامي عند صدوره بما يرضي الجميع.
يبقى ان الخطوة التي قد تكون مقبولة وان تكن هي "الكحل" هي اقدام وزراء قوى 8 آذار على الاستقالة ليفسح عندئذ في المجال لتشكيل حكومة جديدة اذا تعذر تشكيل حكومة من خارج مجلس النواب اذا تعذر تشكيل حكومة وحدة وطنية بفعل الجو السياسي المتوتر.
واذا كان تغيير الحكومة لن يغير شيئاً في القرار الاتهامي ولا في مسار المحكمة، فانه يعطي فترة تنفس للتفكير بهدوء في كيفية مواجهة الوضع بأقل خسارة ممكنة. وقد يساعد الوقت والتطورات المحتملة خصوصاً اذا استؤنفت مفاوضات السلام الاسرائيلية – الفلسطينية، او الاسرائيلية – السورية واحرزت تقدما ملموساً بحيث تتابع المحكمة مسيرتها وإن ببطء وتجعل ما يصدر عنها من قرارات لا يحدث مضاعفات وتداعيات. هذا اذا لم ترتأ الحكومة الجديدة اعادة النظر في اسماء القضاة اللبنانيين وتعيين بدائل منهم وهذا قد يُدخل المحكمة ليس في دائرة الخطر بل في دائرة المماطلة والتسويف وكسب الوقت.
لهذه الاسباب وغيرها، فان الدور في مرحلة ما قبل وما بعد صدور القرار الاتهامي قد يكون لسوريا او لسوريا وايران معاً واستجابة لمساعٍ عربية ودولية. فاذا صار اتفاق على معالجة الوضع في لبنان فسيكون لهذا الوضع صورة، واذا لم يحصل اتفاق فستكون له صورة اخرى، تفرز اصطفافاً جديداً للبنانيين بين من هم مع هذا الموقف او ذاك وتكون اسرائيل في موقف المراقب والمترقب تمهيداً لاتخاذ قرارها. لكن الاعتقاد السائد هو التوصل الى معالجة الوضع المتأتي عن القرار الاتهامي بتفويت فرصة نفاذ اسرائيل من خلال الفتنة لتنفيذ اهدافها ومخططاتها ليس في لبنان فحسب، بل في المنطقة.
|