الصفحة الرئيسية
اعلام مواضيع بحث تواصل نشاطات ومبادرات رئيس حزب السلام حزب السلام العالم اللبناني مؤتمر الحزب اللجان للاتصال مقابلات
 

بقلم وسام سعادة

الاربعاء 24 حزيران 2009
 

قمع الإصلاحيين من شأنه أن يجعل نظام الملالي أكثر تطرّفاً على الصعيد الإقليمي وليس العكس
الإيرانيّون ينتظرون "دعماً" لا "صمتاً" من المجتمع الدولي

 

يصرّ أهل الممانعة والمكابرة على الترويج لثلاثة نظريات يريدونها أحكاماً قاطعة وغير قابلة للجدل في ما يتعلّق بالوضع في إيران، هذا على الرّغم من تناقض هذه النظريات الثلاث مع بعضها البعض:
1 نظريّة "الوعكة الصحيّة"
فهم يخفّفون أولاً من جذرية وضراوة ما يحدث. يُظهرون إطمئناناً ظاهرياً إلى قدرة النظام على معالجة مشكلات بيته الداخليّ. يدّعون بأنّها أزمة "من داخل النظام"، وبأنّ النظام كفيل بتجاوز "وعكته الصحيّة سريعاً". وهم قبل كلّ ذلك يستدلّون بأنّ كل فرقاء النزاع الحاليّ ينتسبون إلى رعيل الثورة الإسلاميّة، ويتقاسمون الأيديولوجيّة الرسميّة نفسها، وقد تفيأوا بها وحصدوا المغانم بفضلها.
طبعاً يغيب عن بال أهل الممانعة والمكابرة أنّ كلّ الإنتفاضات والثورات التي تطيح بالأنظمة الجاثمة على صدور شعوبها تظهر في البدء كأزمات "من داخل النظام". فسواء في حالة إيمري ناجي في بودابست عام 1956 أو في حال ألكسندر دوبتشيك في براغ عام 1968، فقد تبنّت حركة التغيير في حينه الشعارات الأيديولوجيّة نفسها التي كانت تسبح فيها المنظومة الشيوعيّة، ولو أنّها حاولت تجيير هذه الشعارات لحسابها وصقلها بمضمون مغاير، وهذا المضمون لم يكن من الممكن أن ينساق إلا وراء الإنتقال من معسكر إلى آخر في عزّ الحرب الباردة، وقد جاء الزلزال المدويّ في طول وعرض المنظومة الإشتراكيّة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ليثبت ما تعنيه الإنتفاضات والثورات من داخل "النظام"، فـ"البيروسترويكا" بدأت غيّورة على الشيوعيّة والإتحاد السوفياتي، لكنّها بعد بضع سنوات تجاوزتهما.
2 نظريّة "المؤامرة"
واللافت ثانياً، أن أولئك الذين يصرّون على التخفيف من وقع ما يحدث في إيران اليوم ويختزلونه إلى "أزمة من داخل النظام" صاروا يلجأون أكثر فأكثر إلى التفسير التآمريّ الفظّ للوقائع: يبلغ ببعضهم الأمر حدّ إعتبار الجماهير الغاضبة في ساحات طهران مجموعات "مغرّر بها" يحرّكها البرنامج الفارسيّ على الإذاعة الإسرائيليّة. مثل هذا التفسير التآمريّ للأحداث، يمكنه أن يبرّر التنكيل بقادة المعسكر الإصلاحيّ، وقد يتهدّدهم مصير إيمري ناجي نفسه، أي الإعدام.
لكن في المقابل، فإنّ كامل العدّة الأيديولوجيّة للنظام القائم هي التي تنهار، بما في ذلك الإتكاء على قضية "تحرير القدس" بقصد إستعباد الشعب الإيرانيّ وإذلاله. بهذه الحالة فإن نظام الملالي اليوم يكرّر حالة النظام البعثيّ في العراق: يستعبد شعبه بإسم "تحرير القدس"، ويكون لمثل هذه الشعارات شأوها في مدّة من الزمن، ثم تفقد كل إعتبار بعد ذلك، وتفضّل الجماهير حينها رمي الطفل مع مياه الغسيل الوسخة، متخففة من التمييز بين ما هو قضية عادلة (إجتماعية أو قومية أو إنسانية) وما هو إستغلال لهذه القضية العادلة. والحال أنّ ما أظهرته الأيام الأخيرة، هو أنّ الشعب الإيرانيّ ما عادت تنفع معه كل الشعارات الشعبويّة "المعاديّة للإمبرياليّة" أو لـ"الإستكبار". لم يصل المتظاهرون بعد حدّ التمثّل بشعب كوسوفو وهو يستغيث رافعاً الأعلام الأميركيّة، إلا أنّ كل بادرة إهتمام دوليّ أو غربيّ حتى أميركيّ بهم صارت بشكل أو بآخر زاداً لنضالهم، وليس صحيح القول بأنّ كل إهتمام من هذا النوع لا يخدم مصلحة الإصلاحيين.
3 نظريّة "الثورة تجدّد نفسها"
ويستعيد بعض أهل الممانعة والمكابرة ثنائية "ثورة" و"ثورة مضادة" عند الحديث عن إيران، وقد سبقهم إلى ذلك الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز الذي ينظر إلى الوضع في إيران في ضوء الإنقسام الجذريّ الحاصل في بلاده بين مؤيديه ومعارضيه.
وفقاً لثنائية "الثورة" و"الثورة المضادّة"، فإن كلّ تجديد للأخيرة يمكنها أن يساهم في تجديد البيعة للأولى، وشرط ذلك التأهّب إلى حمّام الدّم، وهذا بالضبط ما هدّد به "مرشد الثورة" و"حرس الثورة".
وفقاً لهذه النظريّة، فإنّ النظام الثوريّ لا يضعف وهو يواجه أعداء الثورة، إنّما "يتدرّب" في مواجهتهم من حيث هم "عملاء" للخارج، بغية مواجهة الخارج نفسه ولو بعد حين.
تعني هذه النظريّة، أنّ التمكّن من قمع الإصلاحيين اليوم من شأنّه أن يجعل إيران غير قابلة لأي تنازل في الموضوع النووي، وهذا بخلاف توقعات "المحلّلين" الذين يبحثون عن "البراغماتية" في كلّ مكان (وهذا تبسيط)، والذين يتوقّعون أن يصير نظام الملالي أكثر واقعية وتدبّراً حيال الغرب، سواء إذا أجهضت أو إنتصرت آفاق الإصلاح.
والحال أنّ نظريّة "الثورة تجدّد نفسها" هي الأخطر، وقد تعني في الأمد المنظور مبادرة نظام الملالي إلى توتير الوضع إقليمياً، في إتجاه أو بآخر، بقصد الخروج من الأزمة الداخلية، فضلاً عن تجديد هذا النظام لمساعيه لضرب إستقرار الدول المحيطة، وعلى رأسها العراق. فالمفارقة اليوم، أنّ إيران صارت أقل دول المنطقة إستقراراً، في حين كانت قبل عام فقط المستقرّة شبه الوحيدة.
وفي المقابل، فإنّه، ومنذ أزمة الرئاسيات الإيرانية، تقاطعت قضيتان كان ثمة من يراهن حتى وقت قريب على أنّهما لا تجتمعان: قضية إلغاء نظام ولاية الفقيه المطلقة من جهة، وقضية منع إيران من إمتلاك أسلحة نووية من جهة أخرى. كان يقال أنّ الإصلاحيين متشدّدون مثل المحافظين في الموضوع النووي، لكن اليوم، فإن قانون المواجهة في إيران يفرض العكس.