الصفحة الرئيسية
اعلام مواضيع بحث تواصل نشاطات ومبادرات رئيس حزب السلام حزب السلام العالم اللبناني مؤتمر الحزب اللجان للاتصال مقابلات
 

بقلم د. نبيل خليفة

الاربعاء 24 حزيران 2009
 

قراءة كنسية للموقف الوطني للبطريرك صفير [1 من 2]
كلام غبطته يرتكز على جوهر المبادئ العامة للكنيسة الجامعة والمحلية
الأبعاد اللاهوتية – الوطنية تفسّر وتبرّر وتشرعن تنبيهه إلى الأخطار التاريخية على المصير

 

يزال موقف البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير من الانتخابات النيابية مثاراً للجدل. فقد خرج البطريرك صفير من التلميح حول انتقال الوزن السياسي من 14 آذار الى 8 آذار الى التصريح بأن هذا الانتقال يعني تحكّم كل من ايران وسوريا وفلسطينيي المعارضة بالوضع اللبناني. وكانت ردود من "حزب الله" (على لسان النائب محمد فنيش) على البطريرك ومن النائب سليمان فرنجيه !
هذه الدراسة تشرح موقف البطريرك في ضوء تاريخ الكنيسة وعلاقتها بالسياسة، من المجمع الفاتيكاني الثاني وصولاً الى المجمع البطريركي الماروني بالاستناد الى نصوص كنسية واضحة ومعبّرة لا تتناول موقف البطريرك وكأنه مجرد موقف تأييد سياسي لهذا الطرف او ذاك، بل كونه موقفاً تاريخياً لبكركي يضع في اساس اهتمامه امرين جوهريين ومصيريين:
• انقاذ لاهوت الانسان/ المجتمع اي لاهوت التحرر.
• وانقاذ لاهوت الارض/ الوطن اي لاهوت التحرير.
... وبهذا تم انقاذ منظومة الانسان/ المجتمع من جانب، ومنطومة لبنان/ الوطن من جانب آخر، وابقاؤهما خارج منظومة الدولة التيوقراطية بآفاقها الايرانية!
1 - ".. اذا انتقل الوزن (في الانتخابات المقبلة) من 14 آذار الى 8 آذار.. فإن هناك اخطاء سيكون لها وزنها التاريخي على المصير الوطني!".
(البطريرك صفير – "المسيرة"، العدد 1213، 9/2/2009)
2 – "ان انتقال الوزن يعني تحكّم كل من ايران وسوريا بالوضع اللبناني" المسيرة 15/6/2009.
اثار هذا الكلام لغبطة البطريرك صفير جدلاً واسعاً في الاوساط اللبنانية بين مرحب به ومعترض عليه. وقد رأت فيه قوى الثامن من آذار تأييداً سياسيا صريحاً لقوى الرابع عشر من آذار واعتبرت البطريرك منحازاً سياسياً في الصراع الدائر في لبنان، ولا سيما عشية الانتخابات النيابية التي جرت في 7 حزيران، ويُقال ان جهات معينة سعت لدى البطريرك لنفي هذا الكلام او لتعديل صيغته، ولكنه رفض ذلك واصر على التمسك بموقفه كما ورد اعلاه بنصه الحرفي، كونه يعبّر تماماً، ليس عن مجرد موقف سياسي عارض كما يفهمه ويفسّره بعضهم، بل عن موقف ذي ابعاد لاهوتية ووطنية مرتبطة بالهيمنة الايديولوجية/ الثقافية/ السياسية/ العسكرية/ الاعلامية لـ"حزب الله" على تيار 8 آذار من جانب، او على الردّة في موقف العماد ميشال عون من خط الكنيسة التاريخي من جانب آخر. فما هي الابعاد اللاهوتية والوطنية التي تفسّر وتبرّر وتشرعن موقف البطريرك في رؤيته الى الاخطاء ذات الوزن التاريخي على المصير الوطني في هذه المرحلة من تاريخ لبنان؟
أولاً: نصوص مرجعية
ان الحكم السليم على كلام البطريرك ينبغي ان ينطلق من جوهر المبادئ العامة التي تحكم رؤية الكنيسة الجامعة (الكاثوليكية) والمحلية (المارونية) للعلاقة القائمة او التي يجب ان تقوم بين الكنيسة والسياسة... وهذه، للتذكير، مختارات من نصوص كنسية مرجعية لمحددات هذه العلاقة في ضوء تعاليم الكنيسة، وقد اختيرت لارتباطها المباشر بموضوع هذه الدراسة.

1 – المجمع الفاتيكاني الثاني: الكنسية في عالم اليوم.
"على المسيحيين ان يتهيأوا لممارسة فن السياسة الشديد الصعوبة والشريف جداً.. وليحافظ المواطنون على حب الوطن. وليكن حبهم شهماً بعيد المدى لا مواربة فيه.. اما في ما يتعلق بالاحزاب السياسية فمن واجبهم ان ينمّوا ما يعتبرونه من مقتضيات الخير العام. غير انه لا يُسمح لهم ابداً بتفضيل منفعتهم الخاصة على المنفعة العامة.. ومع ان الجماعة السياسية والكنيسة مستقلتان غير انهما تقومان بخدمة الدعوة الفردية والاجتماعية للناس ذاتهم.. ومن العدل ان تعلّم الكنيسة عقيدتها في المجتمع من دون عوائق. وانه لعدل ايضاً ان تتمكن من اصدار حكمها الادبي حتى في القضايا التي لها علاقة بالحقل السياسي، اذا اقتضت ذلك حقوق الشخص الاساسية والدفاع عن جوهر السلام الذي على الانسان ان يبنيه باستمرار. فالسلام الارضي هو صورة ونتيجة لسلام المسيح امير السلام. فعلى جميع المسيحيين ان يتحدوا بالناس المسالمين حقاً ليطلبوا السلام ويعملوا على ارسائه"(1).

2 – السنة المئة: يوحنا بولس الثاني – رسالة عامة
"في دولة الحق تناط السيادة بالقانون لا بالارادات البشرية المتعسّفة.. والحركات الشمولية تنكر الكرامة السامية للشخص البشري وهو صاحب حقوق لا يستطيع انسان ان يمسها لا الفرد، ولا الجماعة ولا الطبقة ولا الحزب ولا الامة ولا الدولة نفسها. ولا يجوز كذلك للاغلبية في جسم اجتماعي ان تطغى على الاقلية لتعزلها او تضيّق عليها او تستغلها او تسعى لإلغائها"...
"الكنيسة تقدّر النظام الديموقراطي نهجاً يكفل للمواطنين المشاركة في الخيارات السياسية ويضمن لهم القدرة على انتخاب ساستهم ومراقبتهم واستبدالهم... ولكن الكنيسة لا تستطيع ان توافق على قيام جماعة باغتصاب السلطة من الدولة لحساب مصالحها الخاصة او لمآرب ايديولوجية...". كذلك "لا يخفى على الكنيسة الخطر الناجم عن التعصب او عن الاصولية عند قوم يتوهمون انفسهم قادرين، باسم ايديولوجية دينية مزعومة، ان يفرضوا على الآخرين تصورهم للحق والخير. الحقيقة المسيحية ليست من هذا القبيل. ولان الايمان المسيحي ليس ضربا من ضروب الايديولوجية، فهو لا يسعى البتة الى ان يحصر في قالب جامد الواقع الاجتماعي والسياسي المتقلب، بل يرضى ان تتحقق حياة الانسان في التاريخ بطريقة متنوعة وناقصة. ولكن الكنيسة تصر على التنويه دائما بكرامة الشخص البشري السامية وتتبنى احترام الحرية قاعدة لعملها... ولكن الحرية لا تبلغ شأوها الا باحتضانها الحقيقة"(2).

3 – اللجنة الأسقفية الفرنسية: رد الاعتبار الى السياسة.
"تختصر غائية السياسة بثلاثة عناوين: تحقيق الحياة المشتركة، وتأمين الخير العام، ومنع العنف... ولهذا يضع الايمان المسيحي مؤشرات. في مثابة معايير للعمل السياسي وهي: اولوية كرامة الشخص البشري، مساعدة المحتاج، واعتبار السلطة في مثابة خدمة، احترام الخصم، الانفتاح على العالم والتقاسم العادل للخيرات... ان الديموقراطية بحاجة الى فضيلة بل الى نظام اخلاقي (Ethique ) تحدد في ضوئه الشعوب اهدافها المستقبلية وتبني السلام في العالم وتنفتح عليه وتحيا فكرة معينة عن الانسان، هي فكرة الفلسفة المبنية على حقوق الانسان العميمة وغير قابلة للتجزئة"(3).

4 – الحرية المسيحية والتحرر – مجمع العقيدة والايمان
"لا يجوز في سياق حركة التحرر، ان نغفل الوضع التاريخي لاي امة. ولا يجوز المس بالهوية الثقافية لاي شعب، وبالتالي لا يجوز القبول بالموقف السلبي، ولا حتى بالموقف المتراخي حيال مجموعات تستولي على جهاز الدولة بالقوة، او بالتلاعب بالاعلام (اي البربغندا)، وتفرض قسرا على مجموعة من الشعب ايديولوجية مستوردة تتعارض مع قيمه الحضارية الحقيقية... علما ان المسيحي يؤثر دائما وسيلة الحوار والتفاهم"(4).

5 – النداء الأخير – سينودس الأساقفة في جبل لبنان
"ان الانتقال من الانتماء الطائفي الى الولاء الوطني يقتضي له نظام سياسي وطيد يشرك كل الطوائف باتخاذ القرارات الوطنية، بحيث لا تفرض اية طائفة على الامة ما لا يناسب إلاها، ولا يتلاءم وتقاليد الطوائف الاخرى... انه من واجبنا اليوم ككنيسة، ان نعلم قيما دينية وانسانية، وان ندعو السياسيين الى ان يتحملوا بشجاعة مسؤولياتهم امام ضميرهم وامام الامة والتاريخ رغم كل التضحيات التي يجب ان يرتضوا بها للحفاظ على استقلال لبنان وسيادته وحرية قراراته على الصعيدين الوطني والدولي. لقد دفعنا ثمنا باهظا للحرب فلا يحق لاحد ان ينزلنا عن طاولة السلام وان يحل محلنا ليهتم بمصالحنا كما لو كنا قاصرين وتحت الوصاية. فلتعد سيادة البلد على ارضه بتحريرها من الاحتلال الاسرائيلي تنفيذا لقرارات الامم المتحدة. كما ان السلام الداخلي يجب ان يترجم بجلاء القوات السورية عن لبنان وبانتشار الجيش اللبناني على كامل الاراضي اللبنانية... فالسلام لن يعود الى لبنان الا باحترام دقيق لحقوق الانسان وذلك بوضع حد للتوقيفات التعسفية، وإلغاء التعذيب وتحرير من سجنوا لأسباب سياسية وجلاء مصير المفقودين وعودة المبعدين وارساء المساواة بين الجميع امام القانون والعدالة"(5)".

6 – الإرشاد الرسولي: رجاء جديد للبنان
"ان الكنيسة لا ترتبط باي نظام سياسي وليس لها ان تلتزم الحياة السياسية، لان ليس عندها في الواقع حلول تقنية ولا تقترح انظمة ولا برامج اقتصادية وسياسية ولا تبدي ايثارا لهذه او تلك شرط ان تظل كرامة الانسان محترمة ومعززة كما يجب... ادعو جميع مؤمني الكنيسة الى المثابرة على التمسك بارضهم... وان يحافظوا على خصوصيتهم وحسهم الرسولي... وبديهي ان هذا كله يفترض ايضا ان يستعيد البلد استقلاله التام وسيادته كاملة وحرية لا لبس فيها... ان جميع الذين يرتضون الخدمة العامة عليهم من باب الواجب الآمر ان يخضعوا مصالحهم الخاصة والفئوية لصالح امتهم لتأتي اعمالهم لمصلحة الخير العام. ان المصاعب التي تواجه لبنان هي: الاحتلال في الجنوب والحالة الاقتصادية، وجود قوات مسلحة غير لبنانية على الارض، مشكلة المهجرين، خطر التطرف، الشعور بالحرمان، تعرض قيم الديموقراطية والحضارة التي يمثلها هذا البلد للخطر... السلام وحده بامكانه ان يكون الينبوع الحقيقي للانماء والعدالة... ان التزام السلام من قبل جميع ذوي الارادة الطيبة يقود الى مصالحة نهائية بين جميع اللبنانيين. المصالحة هي نقطة الرجاء لمستقبل جديد للبنان"(6).

7 – المجمع البطريركي الماروني: النصوص – التوصيات
"لقد مرت سنوات من الجهاد بالكلمة والموقف والحق والايمان لعبت فيها الكنيسة المارونية دورا رئيسيا على مستوى الوطن، كان من ابرز محطاته النداء الشهير في 20 ايلول 2000... لقد وضع هذا النداء الاسس لانهاء سلطة الوصاية السورية واستعادة السيادة والاستقلال والقرار الحر... فبعدما كان لبنان ساحة لتسلط الآخرين صار ساحة شهادة ابنائه جميعا لحريتهم وزخما لاكبر انتفاضة شعبية في العصر الحديث. لقد تمكنت الكنيسة بمشاركة معظم الشعب اللبناني بان تحفر تاريخ لبنان الحديث بابرة الحق والايمان فوق صخرة الظلم والليل الطويل فتمكنت من انقاذ الوطن واستعادة الدولة. وشكلت "انتفاضة الاستقلال" اثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 لحظة تاريخية، فتحت الباب للخلاص الوطني بتوحد غالبية الشعب اللبناني على نحو غير مسبوق. ان خروج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005، بعد ثلاثين عاما من سلطة الوصاية، كان تتويجا لنضال الشعب اللبناني، المقيم والمنتشر، وتوحده، وبمثابة الحلم الذي تحول حقيقة"(7).


(1) "المجمع الفاتيكاني الثاني: الكنيسة في عالم اليوم: الجماعة السياسية وصون السلام"، مقاطع مختارة.
(2) يوحنا بولس الثاني: "السنة المئة – رسالة عامة"، 1/5/1991 (نصوص من الفقرتين 44 و46).
(3) اللجنة الاسقفية الفرنسية: "رسالة رد الاعتبار الى السياسة" Rehabiliter la politique ، موجهة الى شعوب اوروبا، 17/2/1999.
(4) مجمع العقيدة والايمان – الفاتيكان، مذكرة بعنوان: الحرية المسيحية والتحرر، 22/3/1986، (من الفقرتين 75 و77).
(5) رسالة الجمعية الخاصة لسينودس الاساقفة من اجل لبنان 1995 (من الفقرات 21، 49، 52).
(6) يوحنا بولس الثاني: "ارشاد رسولي بعد – سينودسي: رجاء جديد للبنان"، 10/5/1997 (من الفقرات 113 131، 94، 97، 98، 17).
(7) المجمع البطريركي الماروني: "النصوص – التوصيات"، النص 19: "الكنيسة المارونية والسياسة" (الفقرتان 32 و33).