أيا تكن الحكومة اللبنانية المقبلة، شكلا ولونا ومضمونا وبيانا وزاريا، فانها لن تتمكن من تأمين الاستقرار في البلد، اذا لم تتبعها خطوات على المستوى الشعبي تزيل الاحقاد التي زرعتها السنوات الماضية في نسيج المجتمع اللبناني، وفي طليعة هذه الخطوات السعي الى مصالحة سنيّة ـ شيعية، لا تقتصر على الفوقيات القيادية، بل تنزل الى الشارع وتحاكي عن قرب الكوامن النائمة لدى الطائفتين الاسلاميتين الكبيرتين في لبنان .
ان مثل هذه المصالحة تعكس بالضرورة حالة من الاسترخاء في الشارع اللبناني، وتمهد بالتالي لمصالحات أخرى على المستوى الشيعي الدرزي، والمسيحيي المسيحي، ثم الاسلامي المسيحي بشكل عام. فالمصالحة السنية الشيعية هي الاساس في الوصول الى المصالحة الكبرى، وليس صحيحا بالمطلق ان الخلاف بين السنّة والشيعة على المستوى الشعبي هو خلاف سياسي فقط كما يحلو لبعض القيادات ان يبرره بحسن او بسوء نية، بل ان المسألة أعمق من ذلك، وتفترض علاجا حقيقيا يؤسس لخلاف سياسي حقيقي لا يقوم على اساس مذهبي او طائفي .
لا يستطيع أحد ان ينكر بالطبع التمثيل الشعبي لسنّة المعارضة وانسجامهم مع شيعتها، لكن الانتخابات النيابية الأخيرة ابرزت بشكل واضح حجم الاستقطاب المذهبي في الطائفتين، سواء حول تيار «المستقبل»، أم «حزب الله» وحركة «أمل». واذا كانت بعض العوامل الخارجية قد لعبت دورا اساسيا في هذا الاصطفاف، فان تجربة السنوات الاربع الماضية اثبتت ان السنّة والشيعة في لبنان هم المتضرر الاول والاخير من هذه الحالة. وعليه يفترض الاستفادة من هذه التجربة والنزول الى الشارع ومحاكاة هواجسه وتفتيتها، اذ لا يكفي بأي شكل من الاشكال الركون فقط الى اللقاءات القيادية على مستوى الزعماء السياسيين، على أهمية هذه اللقاءات التي تمهد وتحضر الاجواء للمصالحة الحقيقية .
وما من شك ان لهذه المصالحة مستلزماتها وآلياتها اذا كان المطلوب وفاقا حقيقيا واستقرارا له صفة الديمومة، بحيث تنخرط في خدمة هذه المصالحة القوى السياسية والروحية والشعبية والنخب الثقافية ايضا. وهذا يتطلب :
تشكيل لجنة عليا للمصالحة تضم مندوبين عن تيار «المستقبل» وحركة «أمل» و«حزب الله»، وممثلين عن دار الفتوى الاسلامية والمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى .
تشكيل لجان للاحياء تضع برنامج لقاءات شعبية وزيارات متبادلة لازالة ما علق من شوائب بين الطائفتين خلال السنوات الماضية .
وقف الاستفزازات بين الطرفين بجميع اشكالها، والتسليم للقوى الأمنية والقضائية بمحاسبة المخلين، ورفع الغطاء السياسي عنهم بصورة حاسمة، اذ لا يجوز بأي شكل من الاشكال على سبيل المثال ان تحترق سماء بيروت والضاحية وغيرهما بالرصاص والقذائف في كل مناسبة وبسبب ومن دون سبب. وليس صحيحا ان القيادات السياسية عاجزة عن ضبط مثل هذه التجاوزات .
توجيه خطباء المساجد نحو التشديد على الوحدة الاسلامية ونبذ التفرقة، والتوقف عن التحريض ايا كان نوعه .
وضع برنامج حكومي لتنمية المناطق الفقيرة لدى السنة والشيعة خاصة، وفي المناطق اللبنانية عامة. فكلما ازداد الناس اكتفاء، كلما ازدادوا وعيا .
ان مثل هذه الخطوات تمهد الطريق امام الاحزاب الرئيسية لدى السنة والشيعة، لاختراق ساحات بعضها البعض، بما يحولها الى احزاب اسلامية فوطنية حقيقية، اذ لا يجوز ان يحجم السنّة عن الانخراط في «أمل» و«حزب الله»، ولا الشيعة عن الدخول في تيار «المستقبل ».
ربما يرى البعض في هذا الطرح الكثير من الطوباوية والاحلام. الا ان ذلك ليس مستحيلا اذا صفت النيات وصدق «الغزل السياسي» القائم الآن بين القيادات. وليس ذلك على الله بكثير، والسلام على من اتبع الهدى ! |