يتوجه اليوم الرئيس الاميركي بخطاب تاريخي، هو الأول من نوعه، إلى العالم العربي والاسلامي من مدينة القاهرة. فأي كلام سيقول؟ وأي كلام لن يجرؤ على قوله؟ بالطبع، سيتوجه الرئيس أولا الى العالم الإسلامي، ويبدأ الكلام عن شخصه وبيته. وسيقول إن الإسلام ليس ديناً غريباً عنه، فهو، وان اعتنق المسيحية، ابن رجل مسلم، ويعرف الإسلام وعظمته. كما ان المسلمين هم بعض من أهله. في بيته يتعانق المسيحيون والمسلمون، وفي شخصه تتعانق المسيحية والاسلام. وهنا تكمن قوته. وسيتكلم عن الإسلام، وكم أغنى الحضارة العالمية في التاريخ، وعن المسلمين في الولايات المتحدة وكم قدموا واعطوا لبلادهم الجديدة. وسيركز الرئيس في خطابه على ثلاث نقاط: النقطة الأولى هي تأكيد فصل الإسلام عن الإرهاب. النقطة الثانية هي دعوة المسلمين الى فتح صفحة جديدة مع أميركا والغرب. والنقطة الثالثة هي دعوة المسلمين الى نبذ العنف والتطرف. وهو دون شك يعرف جيداً أن المسلمين لن ينبذوا العنف والتطرف بطلب من رئيس أميركي، إلا انه يوجه كلامه الى "إسلام الاعتدال" لأنه هو وحده قادر على القيام بحركة فكرية وثقافية ودينية للقضاء على ظاهرة العنف والتطرف في العالم الإسلامي.
وكان الرئيس قد اختار القاهرة منبراً لخطابه. ولم يختر كما ظن البعض إندونيسيا مثلاً، التي عاش فيها سنين عدة، والتي هي أكبر دولة اسلامية في العالم؛ لأنه أراد أن يتكلم عن القضية المحورية في الشرق، ألا وهي القضية الفلسطينية. وفي خطابه، سيتكلم عن مبادرته لحل الصراع العربي – الإسرائيلي. وسيبدأ الكلام بموقفه الحازم والواضح من تجميد بناء المستوطنات الاسرائيلية. وهذا موقف رمزي شجاع من إدارته، إذ انه من زمان ومن أيام الرئيس بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بايكر، لم تتجرأ إدارة أميركية على الوقوف في وجه إسرائيل. والإطار العام لمبادرة أوباما يرتكز على مبدأين أساسيين: الأول هو إنشاء دولتين، "واحدة فلسطينية، وواحدة اسرائيلية تعيشان بسلام جنبا الى جنب". وهنا كلمة "تعيشان" تعني شيئين مختلفين. في القاموس الأميركي تعني ان الدولة الفلسطينية تكون دولة قادرة على الحياة. أما في القاموس الاسرائيلي فهي تعني ان هذه الدولة لن تكون لديها المقومات الضرورية للحياة. وكلمة "بسلام" تعني هنا أن الدولة الفلسطينية لن تكون لديها القدرة العسكرية على تهديد اسرائيل. أما المبدأ الثاني، فهو اعتراف العرب، كل العرب، بحق اسرائيل في الوجود كدولة مستقلة، والطلب منهم أن يتعاملوا معها كدولة "صديقة" بكل ما تعني الكلمة من تعامل في كثير من المجالات كالتجارة والاقتصاد والثقافة والعلم والسياحة. ويأتي الرئيس الاميركي الى القاهرة قادماً من الرياض، بعدما اجتمع مع العاهل السعودي وأطلعه على تفاصيل مبادرته التي لن يفصح عنها في خطابه. أما في الإطار الخارجي، فمبادرة أوباما تشبه الى حد بعيد المبادرة العربية للسلام التي اطلقها العاهل السعودي والتي تبنتها الجامعة العربية في مؤتمرها المنعقد في بيروت سنة 2002. أما التفاصيل فستبقى طي الكتمان ورهينة المفاوضات في المستقبل.
وسيتكلم الرئيس عن العراق، وايران، وباكستان، وأفغانستان لان هذه الأزمات كلها في اعتقاده مترابطة بعضها مع البعض الآخر، وحلها يتطلب استراتيجية واحدة شاملة بعيدة المدى. وسيطمئن الرئيس "عرب الاعتدال"، وإسرائيل أيضا، الى انه على رغم استعماله الديبلوماسية مع إيران في البداية؛ فهو لن يسمح لها في النهاية بامتلاك القدرة النووية ولن يسمح لها بالتمدد في الشرق.
هذا بعض مما سيقوله الرئيس الأميركي اليوم. ولكن، ماذا سيقول ضيف مصر لمصر وأهلها؟ وماذا عن الديموقراطية في مصر، وحقوق الإنسان وحرية الفكر والمعتقد؟ وهل ما تزال الديموقراطية والحرية من أهداف السياسة الخارجية الأميركية؟ أم أن هذا الرئيس الجديد سيطيح هذه الايديولوجية التي تبنتها الإدارة السابقة ويتبنى ايديولوجية جديدة تؤمن بالواقعية و"العملانية" وتهدف الى تأمين "المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة"؟ وكيف ستتمكن أميركا من قيادة العالم الحر إن لم تكن المدافع الاول عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان؟ وأية مرارة سيغص بها الجيل الجديد في مصر والعالم العربي والإسلامي عندما يقف رئيس قوي شاب قادم من عالم الظلم والاضطهاد في بلاده، ولا يجرؤ على الكلام عن الظلم والمستضعفين؟ ولا يجرؤ على الكلام عن اضطهاد الحكام لشعوبهم وقمعهم اياها؟ ولا يجرؤ على الكلام عن مسألة الحرية في الشرق؟
وهل سيعترف الرئيس الأميركي بأن من أهم الاسباب التي أدت الى تفاقم الصراع العربي – الاسرائيلي وصعوبة حله هو الموقف الأميركي ذاته؟ هذا الموقف الذي تبنته الادارات السابقة كلها والذي كان منحازاً كلياً الى اسرائيل. واقل ما يمكن قوله في هذا الموقف إنه لم يكن غير عادل وغير حكيم فحسب، بل كان أيضا مضراً بالاسرائيليين أنفسهم، وكان العقبة الكبيرة أمام عملية السلام. وهل سيجرؤ الرئيس على البوح بأن مبادرته لحل القضية الفلسطينية مؤجلة الى يوم غير هذا اليوم والى أجل من الصعب التكهن به؟ هذا ليس فقط بسبب التعنت الاسرائيلي لحكومة نتنياهو وليبرمان، بل أيضا بسبب التشرذم والتفتت الفلسطينيين، ومن خلفه التشرذم والتفتت العربيين. وكذلك الحل الديبلوماسي مع ايران، فهو مؤجل. فالأبواب لهذا الحل مغلقة كما يعتقد الكثيرون وستبقى مغلقة الى ان يتمكن الغرب من إغراء روسيا والصين والإتيان بهما الى معسكره. فالحل السلمي مع ايران غير ممكن من دون الصين وروسيا. والضربة العسكرية! وحدهم الإسرائيليون يعتقدون أنها ممكنة وأنها الحل.
باب واحد غير مغلق هو باب دمشق. فالسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين متعثر اليوم وغير ممكن. الممكن اليوم هو السلام بين اسرائيل وسوريا. فالاسرائيليون حاضرون، وكذلك السوريون. فالحكومة الاسرائيلية لا تريد دولة فلسطينية وهي ليست في وارد مفاوضات مع الفلسطينيين لحل نهائي. ذلك ان الهاجس الأكبر عندها اليوم هو إيران النووية وليس الفلسطينيين. ويعتقد الاسرائيلييون أن المفاوضات مع سوريا قد تشكل ذريعة لهم لعدم الدخول في مفاوضات مع الفلسطينيين؛ كما يعتقدون ان التوصل الى سلام مع سوريا قد يقلل خطر إيران عليهم. وسوريا تريد المفاوضات لاسترجاع الجولان أولاً وللخروج من عزلتها الإقليمية والدولية ثانياً. وليست هناك مشكلة مع إيران. ألم تدخل سوريا في مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل في رعاية تركية ومباركة ايرانية؟ لذا نأمل من ادارة الرئيس الاميركي اخذ المبادرة والقبول برعاية مفاوضات جدية مباشرة بين الطرفين. فالسلام السوري – الاسرائيلي هو المدخل لحل الصراع العربي – الاسرائيلي وليس العكس؛ وكذلك هو المدخل لحل الأزمة اللبنانية. اذ ان سوريا لن تتوقف عن استعمال لبنان ورقة ضغط سياسية الى ان تحصل على السلام وتحصل على الجولان. ولكي نتأكد من ان هذا السلام لن يكون على حساب لبنان، نطلب من الحكم عندنا أن يتحرر من عقدة النقص وان يدخل هو ايضاً في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل جنباً الى جنب مع سوريا. ونود هنا أن نتوجه الى جميع الذين يدّعون "العروبة" و"الوطنية" ونسألهم كيف يحق لسوريا وهي "قلعة العروبة" التفاوض مع اسرائيل ولا يحق ذلك للبنان؟ كلمة واحدة نقولها للبنانيين: إن الشعوب التي لا تأخذ مصيرها بقبضة يدها، يصبح مصيرها في قبضة الآخرين.
وتعالوا نتصارح أيها العرب. ان قدركم لا يقرره رئيس أميركي، وبخطاب موجه إليكم. ان قدركم هو مسؤوليتكم أنتم قبل أن يكون مسؤولية الآخرين، وإن لم تعوا ذلك سيأتي رئيس أميركي ويذهب ويأتي بعده رئيس آخر ويذهب، وتبقون أنتم وحدكم خارج التاريخ وخارج العالم.