جدّد رئيس حزب السلام اللبناني المحامي روجيه إدّه دعمه لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي يعمل لإعادة تأهيل موقع رئاسة الجمهورية لتمثيل الدولة على أعلى المستويات معتبراً ان الحكومة الحالية افضل الممكن وبرنامجها مقبول ومحترم.
وأعلن إدّه دعمه لرئيس الحكومة سعد الحريري في كل ما يقوم به على الصعيد الوطني واصفاً زيارة الرئيس الحريري الى سوريا بأنها خطوة اولى على طريق المصالحة التاريخية بين لبنان الدولة والشعب وبين سوريا الدولة والشعب.
ورأى إدّه في الكلمة التي ألقاها في المؤتمر السنوي الخامس لحزب السلام الذي اقيم في مركز الحزب ان هذه المصالحة التاريخية من غير الممكن ان يقوم بها اي زعيم في لبنان او في العالم العربي إلاّ الرئيس سعد الحريري لانه اهم زعيم سنّي في لبنان وسوريا. والرئيس الاسد يتمنى كثيراً مصالحة السنّة لبنانياً وسورياً اذ ان ذلك يضمن فعلاً لنظامه الاستمرارية. واستطرد إدّه مؤكداً انه لكي تكتمل وتتحقق نهائياً هذه المصالحة على الرئيس السوري ان يقابلها بخطوات تطمئن اليها بكركي والنظام الدولي والفاتيكان وعندها تختتم بمباركة بكركي التي تمثل لبنان التاريخي ونواة كيانه لذا ان المصالحة مع بكركي تتطلب الكثير الكثير.
وأكّد إدّه ان سوريا تعرف انه لا يمكنها ان تتصالح مع لبنان الاّ عندما يصالحها سيد بكركي عن وعي وادراك وتقييم حقيقة موقفها من الكيان اللبناني ونهائيته.
ورأى ان الفرق شاسع وكبير بين زيارة الرئيس الحريري الى سوريا وزيارة العماد عون فالاول ذهب كرئيس حكومة يمثل اللبنانيين بينما الثاني ذهب بزيارة فولكلورية لشكر سوريا لانها جيّرت له جماعتها من المسيحيين لكي تُبقي العماد عون على معادلة معينة في السياسة الداخلية اللبنانية ولزكزكة البطريرك صفير.
ولفت إدّه الى ان زيارة العماد عون الى بكركي لم تكن ناجحة لانه وإن "ادّى واجب الطاعة" لم يستطع إقناع المطارنة الموارنة بمواقفه التي يدافع عنها والتي يختلفون معه حولها معلناً تأييده لها ولاستمرار المساعي من اجل إتمام المصالحات المسيحية – المسيحية برعاية بطريرك الموارنة.
ونوّه إدّه بشجاعة الرئيس الحريري في زيارته الى سوريا على الرغم من انه يعرف سلفاً انها ستؤثر على جمهوره في لبنان معتبراً ان هذه الشجاعة المعنوية تجعل من الرئيس الحريري زعيماً كبيراً بحد ذاته وليس فقط بإرثه السياسي وبمرجعيته ودعمه العربي والسعودي.
ومما قاله إدّه في كلمته:
إن مساومة الدوحة تحت ضغط سلاح حزب الله الموّجه الى الداخل شوّهت قانون الانتخابات النيابية وعطلّت نتائجها. إذ ان.ها قدّمت لحزب الله تغطية ما لفرض شروطه اللاديموقراطية على الديموقراطية البرلمانية التعددية اللبنانية كل ذلك بذريعة "الضرورة الوفاقية".
لكن حزب الله المسلّح هذا لا يلتزم بالوفاق اللبناني بل يلتزم عقيدة ومرجعية غير لبنانية بإمرة ولي الفقيه الايراني، الطامح والساعي لقيادة الأمّة الاسلامية من طهران، بعد إخضاع الاقاليم الاسلامية الواحدة بعد الاخرى بدءاً بـ "الاقليم العربي" .
ذلك من خلال المنطق الزاعم أنه وحده القادر على بعث الأمّة الاسلامية ، وإلحاق الهزيمة بأعدائها لاسيما اسرائيل، والدولة العظمى الاولى كونياً: الولايات المتحدة الاميركية.
في ظل مساومة الدوحة المشؤومة هذه تألفت حكومة الرئيس سعد الحريري التي لم تحترم توازنات اتفاق الطائف، إذ انها حرمت رئاسة الجمهورية من "الثلث الضامن" وقدّمته "ثلثاً معطلاً" بإمرة حزب الله.
الاخطر والادهى ان تأليف الحكومة على هذا الشكل أعطى اسرائيل الذريعة التي كانت تنتظرها منذ السبعينات لشنّ حرب "إحتلال مطلق" على لبنان الدولة والشعب والكيان. وقد بدأت اسرائيل تسويق هذه الذريعة دولياً تمهيداً لحرب تخطط لشنّها على كل لبنان قبل إنقضاء الاشهر الستة الاولى من عام 2010 المقبل.
صحيح إن مساومة الدوحة تلافت الحرب الأهلية وملأت الفراغ في موقعي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ، كما أمّنت وقف مجزرة إغتيال القيادات الاستقلالية السيادية، ولو لحين.
صحيح أيضاً إن مساومة الدوحة أمنّت استقراراً أمنياً ولو هشّا وإزدهاراً إقتصادياً ولو مؤقتاً لكنّ ثمنها يبدو لنا على الأمد المنظور حرباً تُسقِطُ الاستقلال والسيادة والاقتصاد وربما الكيان كما تفجّر معادلات القوة في المنطقة من شاطئ المتوسط الشرقي حتى بلاد فارس.
إن حرب الاحتلال الاسرائيلية التي نخشاها تبدو لنا حرباً على الجمهورية الاسلامية الايرانية من خلال إحتلال لبنان. ذلك إن هذا الاحتلال يتوخّى إذلال مرجعية حزب الله بحيث تظهر دولة ولي الفقيه عاجزة عن إلحاق الهزيمة بإسرائيل وعن إنقاذ قاعدتها المتقدمة في لبنان التي تتوخى منها تسويق منطق تزعمها للعالم الاسلامي.
تتوقّع اسرائيل أن تكشف هذه الحرب حقيقة وهم التحالف الايراني – السوري ، كما تتوقع عودة سوريا الى الحظيرة العربية مبتعدةً عن إيران ، منخرطةً في النظام الدولي، ملتزمةً فعلاً السلام مع اسرائيل بمنطق مقايضة الارض بالسلام.
نخشى ان يجد أركان النظام الدولي الغاضبين من مطامح أيران النووية، والغاضبين من سعيها الدؤوب لتصدير ثورتها الاسلامية المهدَوية زارعةً بذور عدم الاستقرار في محيطها، نخشى ان يجدوا جميعاً في الحرب الاسرائيلية على لبنان إذلالاً مفيداً يهدد النظام الايراني المحاصر إقتصادياً من الخارج والمهدد داخلياً بالثورة الديموقراطية التي لم تنطفئ منذ الانتخابات الرئاسية الاخيرة.
هذا التصّور، قد يؤدي الى موقف مزدوج من قبل النظام الدولي " يحتّج شكلاً " على الحرب الاسرائيلية على لبنان، بينما الكل يعرف انه "راضٍ عنها ضمناً " وينوي الاستفادة منها لتطوير عملية السلام بين اسرائيل والعالم العربي بالاضافة الى تغيير النظام، أمّ منحاه، في ايران .
لاسيما وان أركان النظام الدولي يدركون إن إمكانية تورّط الرئيس أوباما بحرب على ايران نفسها من سابع المستحيلات. وإن اسرائيل عاجزة عن القيام بأكثر من عملية جوية تضرب بعض مراكز إنتاج الوقود النووي الايراني، بحيث تؤخّر، لكن لا تلغي قدرة ايران على إنتاج السلاح النووي حين تشاء.
لا بد ان نتساءل مع المتسائلين هل يمكن تلافي حرب الاحتلال التي نخشى. نظرياً الامكانية الوحيدة لتلافي الاحتلال هي وضع سلاح حزب الله فوراً بتصرّف الدولة اللبنانية وبإمرة التوافق الديموقراطي والبرلماني الحكومي، ثم السعي دولياً بسرعة وفعالية قصوى لتطبيق القرار 1701 تطبيقاً كاملاً متكاملاً من قبل الفرقاء المعنيين به جميعاً.
لكن واقعياً هذه "الامكانية مستحيلة"، لان حزب الله غير قادر على الاستقلال بقراره لبنانياً ، لينقذ نفسه وينقذ لبنان من شرور الاحتلال، طالما نظام ولي الفقيه يمسك إمساكاً مطلقاً بقراراته المصيرية.
يبقى إذاً إمكانية ان يقرر نظام ولي الفقيه إعتماد العقلانية الواقعية الخمينية ويتراجع تكتيكياً على الاقل عن مشروعه الاممي الكبير. لكن طبيعة هذا النظام وسبب وجوده وما آلَ اليه من وهنٍ داخلي في ايران نفسها، بالاضافة الى موجبات حماية منطقه النضالي الاستشهادي لتزعّم الامة الاسلامية ، يجعل هذه الامكانية مستحيلة ايضاً.
ذلك لأن المنطق اللاهوتي في الماورائيات، وفي التفسير الاختياري للنبوءات والروايات، يعتمد على "النجدة الالهية" في مواجهة معادلة القوة الموضوعية الواقعية.
حتى ولو افترضنا أن في نظام ولي الفقيه بقيادة خامنئي واقعية ما تُملي عليه السماح لحزب الله تكتيكياً ان يقدّم مصيره ومصير لبنان على أولوية إقامة الفدرالية الاممية بقيادة ولي الفقيه، نصطدم بمنطق قيادي ايراني يعتبر ان النظام سيقوى في حال تعرّض ايران لضربة جوية اسرائيلية على مواقع الانتاج النووي في غياب قدرة اسرائيلية على "الايذاء الاكبر"، الذي هو مستحيل في غياب ارادة اميركية بالتورّط بحرب مباشرة مع ايران.
لذا نرجّح ان النظام الايراني مقتنع ان الضمير الجماعي الاسلامي سيقف بجانبه بمواجهة اسرائيل بحيث يتعزز موقع ومنطق النظام في الصراع الداخلي على السلطة، ولدى الرأي العام الشعبوي الاسلامي عموماً. إذ إن الضربة التي توجع قليلاً ولا تقتل الليث الكاسر تجعله أكثر شراسة وقوة.
أما خسارة لبنان " فمسألة فيها نظر" بنظرهم ، طالما أن النظام باقٍ، والحرس الثوري معزز، وخلاياه الخارجية قادرة أن تكون فعاّلة في مقاومة الاحتلال والمضي في تصدير الثورة أياً كان مصير حزب الله في لبنان وأياً كان مصير لبنان.
لذا نجد انفسنا متشائمين بالقدرة على تلافي الحرب وبالتالي متشائمين بمصير هذه الحكومة التي قد توفّر مزيداً من الامن القومي المؤقت والازدهار الاقتصادي المؤقت، لحين تدقّ ساعة العدوان الغاشم، الاتي لا مَحَالة ، ولا مِن حيلفٍ يوظّف قطرة دمّ لنصرة لبنان المغلوب على أمره من جراء إدمانه النوم على حرير التسويات السيئة للاستفاقة بعد حين على نيران حروب الاخرين الدائمة.